العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٠٠ - الحسين و معاوية
فقال ابن الزبير لمعاوية: قد عرفنا فضل الحسين و قرابته من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم؛ لكن إن شئت أعلمك فضل الزبير على أبيك أبي سفيان فعلت، فتكلم ذكوان مولى الحسين بن علي فقال:
يا ابن الزبير، إن مولاي ما يمنعه من الكلام أن لا يكون طلق اللسان رابط الجنان؛ فإن نطق نطق بعلم؛ و إن صمت صمت بحلم؛ غير أنه كفّ [١] الكلام، و سبق إلى السنان، فأقرت بفضله الكرام؛ و أنا الذي أقول:
فيم الكلام لسابق في غاية # و الناس بين مقصّر و مبلّد [٢]
إنّ الذي يجري ليدرك شأوه # ينمي بغير مسوّد و مسدّد
بل كيف يدرك نور بدر ساطع # خير الأنام و فرع آل محمد
فقال معاوية: صدق قولك يا ذكوان؛ أكثر اللّه في موالي الكرام مثلك.
فقال ابن الزبير: إن أبا عبد اللّه سكت و تكلم مولاه، و لو تكلم لأجبناه، أو لكففنا عن جوابه إجلالا له؛ و لا جواب لهذا العبد.
قال ذكوان: هذا العبد خير منك؛ قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: «مولى القوم منهم» ؛ فأنا مولى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، و أنت ابن العوام ابن خويلد؛ فنحن أكرم ولاء و أحسن فعلا.
قال ابن الزبير: إني لست أجيب هذا!فهات ما عندك.
فقال معاوية: قاتلك اللّه يا ابن الزبير. ما أعياك و أبغاك. أ تفخر بين يدي أمير المؤمنين و أبي عبد اللّه؟إنك أنت المتعدي لطورك [٣] ، الذي لا تعرف قدرك؛ فقس شبرك بفترك؛ ثم تعرّف كيف تقع بين عرانين [٤] بني عبد مناف؛ و أما و اللّه لئن دفعت في بحور بني هاشم و بني عبد شمس لقطّعتك بأمواجها، ثم لترمينّ بك في
[١] كفّ الكلام: امتنع عنه.
[٢] المبلد: الذي فتر في العمل و قصّر.
[٣] المتعدي لطوره: الذي جاوز حدّه و قدره.
[٤] عرانين القوم: ساداتهم و أشرافهم.