العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٣٧ - فرش الكتاب
كتاب المجنّبة الثانية في التوقيعات و الفصول و الصدور و اخبار الكتبة
فرش الكتاب
قال أبو عمر أحمد بن محمد بن عبد ربه: قد مضى قولنا في الخطب و فضائلها و ذكر طوالها و قصارها، و مقامات أهلها؛ و نحن قائلون بعون اللّه و توفيقه في التوقيعات، و الفصول، و الصدور، و أدوات الكتابة، و أخبار الكتاب، و فضل الإيجاز؛ إذ كان أشرف الكلام كلّه حسنا و أرفعه قدرا، و أعظمه من القلوب موقعا، و أقلّه على اللسان عملا: ما دل بعضه على كله، و كفى قليله عن كثيره، و شهد ظاهره على باطنه، و ذلك أن تقلّ حروفه و تكثر معانيه؛ و منه قولهم: ربّ إشارة أبلغ من لفظ.
أ ليس أن الإشارة تبين ما لا يبينه الكلام، و تبلغ ما يقصر عنه اللسان؟و لكنها إذا قامت مقام اللفظ و سدت مسدّ الكلام، كانت أبلغ؛ لخفة مئونتها، و قلة محملها.
قال ابرويز لكاتبه: اجمع الكثير مما تريد من المعنى، في القليل مما تقول. يحضّه على الإيجاز. و ينهاه عن الإكثار في كتبه، أ لا تراهم كيف طعنوا على الإسهاب و الإكثار، حتى كان بعض الصحابة يقول: أعوذ باللّه من الإسهاب؛ قيل له: و ما الإسهاب؟قال: المسهب الذي يتخلل بلسانه تخلّل الباقر [١] ، و يشول به شولان الروق [٢] .
و قال النبي صلّى اللّه عليه و سلم: «أبغضكم إليّ الثرثارون المتشدقون» يريد: أهل الإكثار و التقعير في الكلام.
[١] الباقر: جماعة البقر.
[٢] الروق: القرن و الرمح.