العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٩٦ - ابن عباس و ابن العاص
بشرفها و أنوفها، و بنو عامر بن لؤي بفارسها و قريعها، [١] فمن ذا يجلى في مضمارها و يجري إلى غايتها؟ما تقول يا ابن عباس؟ قال: أقول: ليس حي يفخرون بأمر إلا و إلى جنبهم من يشركهم، إلا قريشا فإنهم يفخرون بالنبوّة التي لا يشاركون فيها و لا يساوون بها و لا يدفعون عنها، و أشهد أن اللّه لم يجعل محمدا من قريش إلا و قريش خير البرية، و لم يجعله في بني عبد المطلب إلا و هم خير بني هاشم، يريد أن يفخر عليكم إلاّ بما تفخرون به؛ إن بنا فتح الأمر و بنا يختم، و لك ملك معجّل و لنا ملك مؤجل، فإن يكن ملككم قبل ملكنا فليس بعد ملكنا ملك، لأنا أهل العاقبة، و العاقبة للمتقين.
ابن عباس و ابن العاص
أبو محنف قال: حج عمرو بن العاص فمرّ بعبد اللّه بن عباس، فحسده مكانه و ما رأى من هيبة الناس له و موقعه من قلوبهم، فقال له: يا ابن عباس، مالك إذا رأيتني ولّيتني القصرة، [٢] و كان بين عينيك دبرة، و إذا كنت في ملأ من الناس كنت الهوهاة [٣] الهمزة.
فقال ابن عباس: لأنك من اللئام الفجرة!و قريش الكرام البررة لا ينطقون بباطل جهلوه، و لا يكتمون حقا علموه، و هم أعظم الناس أحلاما، و أرفع الناس أعلاما، دخلت في قريش و لست منها، فأنت الساقط بين فراشين، لا في بني هاشم رحلك، و لا في بني عبد شمس راحلتك، فأنت الأثيم الزنيم، [٤] الضال المضلّ، حملك معاوية على رقاب الناس، فأنت تسطو بحلمه، و تسمو بكرمه.
فقال عمرو: أما و اللّه إني لمسرور بك، فهل ينفعني عندك؟ قال ابن عباس: حيث مال الحق ملنا، و حيث سلك قصدنا.
[١] القريع: السيد و الرئيس.
[٢] القصرة: أصل العنق و الرقبة.
[٣] الهوهاة: الأحمق.
[٤] الزنيم: الدعي.