العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢١٧ - خطب عمرو بن سعيد الأشدق
خطبة لعتبة بن مروان بعد فتح الأبلة
حمد اللّه و أثنى عليه، ثم صلى على النبي صلّى اللّه عليه و سلم؛ و قال:
إن الدنيا قد تولّت[حذّاء مدبرة]، و قد آذنت أهلها منها بصرم، و إنما بقي منها صبابة كصبابة الإناء يصطبّها صاحبها؛ ألا و إنكم مفارقوها لا محالة، ففارقوها بأحسن ما يحضركم؛ ألا إنّ من العجب أني سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم يقول:
«إن الحجر الضخم يرمى به في شفير جهنم فيهوي في النار سبعين خريفا، و لجهنّم سبعة أبواب، بين كل بابين منها مسيرة خمسمائة عام، و ليأتين عليها ساعة و هي كظيظ [١] بالزحام» ؛ و لقد كنت مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم سابع سبعة ما لنا طعام إلا ورق البشام، حتى قرحت أشداقنا؛ فوجدت أنا و سعد بن مالك تمرة فشققتها بيني و بينه نصفين، و ما منا أحد اليوم إلا و هو أمير على مصر و إنه لم يكن نبوة قطّ إلا تناسخت [٢] ؛ و أنا أعوذ باللّه أن أكون في نفسي عظيما و في أعين الناس صغيرا.
خطب عمرو بن سعيد الأشدق
لما عقد معاوية ليزيد البيعة، قام الناس يخطبون؛ فقال[معاوية]لعمرو بن سعيد: قم يا أبا أمية. فقام فحمد اللّه و أثنى عليه، ثم قال:
أما بعد فإن يزيد بن معاوية أمل تأملونه، و أجل تأمنونه؛ إن استضفتم إلى حلمه وسعكم، و إن احتجتم إلى رأيه أرشدكم، و إن افتقرتم إلى ذات يده أغناكم؛ جذع [٣]
قارح [٤] ، سوبق فسبق، و موجد فمجد، و قورع فقرع؛ فهو خلف أمير المؤمنين و لا خلف منه.
فقال له معاوية: أوسعت أبا أمية فاجلس.
[١] الكظيظ: الامتلاء.
[٢] تناسخت: تداولت.
[٣] الجذع: الفرس في سنته الثانية.
[٤] القارح: الذي كملت أسنانه.