العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٠ - قولهم في الرقائق
قولهم في الرقائق
العتبي قال: ذكر أعرابي مصيبة فقال: و اللّه تركت سود الرءوس بيضا، و بيض الوجوه سودا، و هوّنت المصائب بعدها.
أخذ هذا المعنى بعض الشعراء فقال يرثي آل أبي سفيان:
رمى الحدثان نسوة آل حرب # بمقدار سمدن له سمودا [١]
فردّ شعورهن السود بيضا # و ردّ وجوههن البيض سودا
فإنك إذ سمعت بكاء هند # و رملة إذ يلطمن الخدودا
بكيت بكاء موجعة بحزن # أصاب الدهر واحدها الفريدا
قال: قيل لأعرابية أصيبت بابنها: ما أحسن عزاءك قالت: إنّ فقدي إياه أمّنني كل فقد سواه، و إن مصيبتي به هوّنت علي المصائب بعده؛ ثم أنشأت تقول:
من شاء بعدك فليمت # فعليك كنت أحاذر
كنت السواد لمقلتي # فعليك يبكي الناظر
ليت المنازل و الدّيا # ر حفائر و مقابر
و قيل لأعرابي: كيف حزنك على ولدك؟قال: ما ترك همّ الغداء و العشاء لي حزنا! و قيل لأعرابي: ما أذهب شبابك؟قال: من طال أمده، و كثر ولده، و كثر ولده، و ذهب جلده: ذهب شبابه.
و قيل لأعرابي: ما أنحل جسمك؟قال: سوء الغذاء، و جدوبة المرعى، و اختلاج الهموم في صدري. ثم أنشأ يقول:
الهمّ ما لم تمضه لسبيله # داء تضمّنه الضّلوع عظيم
و لربّما استيأست ثم أقول لا # إنّ الذي ضمن النجاح كريم
[١] السمود: الحزن.