العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٤ - لبعض الأعراب
اَلنََّاسُ لِرَبِّ اَلْعََالَمِينَ [١] ثم قال: يا أمير المؤمنين، هذا جزاء من يطفّف في الكيل و الميزان، فما ظنّك بمن أخذه كله؟!
لأعرابي يعظ أخاه:
و قال أعرابي لأخيه: يا أخي، أنت طالب و مطلوب، يطلبك مالا تفوته، و تطلب ما قد كفيته، فكأنّ ما غاب عنك قد كشف لك، و ما أنت فيه قد نقلت عنه، فامهد لنفسك، و أعدّ لغدك، و خذ في جهازك.
و وعظ أعرابي أخا له أفسد ماله في الشراب، فقال: لا الدهر يعظك، و لا الأيام تنذرك، و لا الشيب يزجرك، و الساعات تحصى عليك، و الأنفاس تعدّ منك، و المنايا تقاد إليك؛ أحب الأمور إليك أعودها بالمضرة عليك.
لبعض الأعراب:
و قيل لأعرابي: مالك لا تشرب النبيذ؟قال: لثلاث خلال فيه: لأنه متلف للمال، مذهب للعقل، مسقط للمروءة.
و قال أعرابي لرجل: أي أخي، إن يسار النفس أفضل من يسار المال، فإن لم ترزق غنى» فلا تحرم تقوى، فرب شبعان من النعم، غرثان [٢] من الكرم؛ و اعلم أن المؤمن على خير، ترحّب به الأرض، و تستبشر به السماء؛ و لن يساء إليه في بطنها، و قد أحسن على ظهرها.
و قال أعرابي: الدراهم مياسم [٣] تسم حمدا و ذمّا؛ فمن حبسها كان لها، و من أنفقها كانت له؛ و ما كلّ من أعطي مالا أعطي حمدا و لا كلّ عديم ذميم.
أخذ هذا المعنى الشاعر فقال:
أنت للمال إذا أمسكته # فإذا أنفقته فالمال لك
[١] سورة المطففين الآية ١-٦.
[٢] غرثان: جائع.
[٣] مياسم: مفرده ميسم، و هو الآلة يوسم بها كالمكواة.