العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٦ - لبعض الأعراب
و قال أعرابي لصاحب له: اصحب من يتناسى معروفه عندك، و يتذكر حقوقك عليه.
و قال أعرابي: لا تسأل عمن يفرّ من أن تسأله، و لكن سل من أمرك أن تسأله، و هو اللّه تعالى.
و قيل لأعرابي في مرضه: ما تشتكي؟قال: تمام العدّة، و انقضاء المدّة.
و نظر أعرابي إلى رجل يشكو ما هو فيه من الضيق و الضر، فقال: يا هذا، أ تشكو من يرحمك إلى من لا يرحمك.
و قالت أعرابية لابنها: يا بنيّ، إن سؤالك الناس ما في أيديهم أشد من الافتقار إليهم، و من افتقرت إليه هنت عليه، و لا تزال تحفظ و تكرم حتى تسأل و ترغب فإذا ألحت عليك الحاجة و لزمك سوء الحال، فاجعل سؤالك إلى من إليه حاجة السائل و المسئول، فإنه يعطي السائل.
و قالت أعرابية توصي ابنا لها أراد سفرا: يا بنيّ، عليك بتقوى اللّه فإنه أجدى عليك من كثير غيرك؛ و إياك و النمائم، فإنها تورث الضغائن و تفرق بين المحبين، و مثّل لنفسك مثالا تستحسنه من غيرك فاحذر عليه و اتخذه إماما، و اعلم أنه من جمع بين السخاء و الحياء، فقد أجاد الحلة إزارها و رداءها.
قال الأصمعي: لا تكون الحلة إلا ثوبين: ازارا و رداء.
أنشد الحسن لأعرابي كان يطوف بأمه على عانقه حول الكعبة:
إن تركبي على قذالي [١] فاركبي # فطالما حملتني و سرت بي
في بطنك المطهّر المطيّب # كم بين هذاك و هذا المركب
و أنشد لآخر كان يطوف بأمه:
ما حجّ عبد حجّة بأمّه # فكان فيها منفقا من كدّه
[١] القذال: جماع مؤخر الرأس من الانسان و الفرس فوق القفا.