العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٧ - لبعض الأعراب
لا استتمّ الأجر عند ربّه
قال و سمعت أعرابيا يقول: ما بقاء عمر تقطعه الساعات، و سلامة بدن معرّض للآفات!و لقد عجبت من المؤمن كيف يكره الموت و هو ينقله إلى الثواب الذي أحيا له ليله و أظمأ له نهاره.
و ذكر أهل السلطان عند أعرابي فقال: أما و اللّه لئن عزّوا في الدنيا بالجور لقد ذلّوا في الآخرة بالعدل، و لقد رضوا بقليل فان عوضا عن كثير باق، و إنما تزل القدم حيث لا ينفع الندم.
و وصف أعرابي الدنيا فقال: هي رنقة [١] المشارب، جمة المصائب لا تمتعك الدهر بصاحب.
و قال أعرابي: من كان مطيته الليل و النهار سارا به و إن لم يسر، و بلغا به و إن لم يبلغ.
قال: و سمعت أعرابيا يقول: الزهادة في الدنيا مفتاح الرغبة في الآخرة و الزهادة في الآخرة مفتاح الرغبة في الدنيا.
و قيل لأعرابي و قد مرض: إنك تموت!قال: و إذا متّ فإلى أين يذهب بي؟ قالوا: إلى اللّه!قال: فما كراهتي أن يذهب بي إلى من لم أر الخير إلا منه؟ و قال أعرابي: من خاف الموت بادره الموت، و من لم ينحّ النفس عن الشهوات أسرعت به إلى الهلكات، و الجنة و النار أمامك.
و قال أعرابي لصاحب له: و اللّه لئن هملجت [٢] إلى الباطل إنك لعطوف عن الحق، و إن أبطأت ليسرعنّ إليك، و قد خسر أقوام و هم يظنون أنهم رابحون؛ فلا تعرّنّك الدنيا، فإن الآخرة من ورائك.
و قال أعرابي: خير لك من الحياة ما إذا فقدته أبغضت له الحياة، و شر من الموت
[١] رنقة: كدرة.
[٢] هملج: سار سيرا حسنا في سرعة.