العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٨٣ - خطبة يزيد بن الوليد حين قتل الوليد بن يزيد
إلى اللّه، قد قضى نحبه، و بلغ أجله، ثم تغيّبونه في صدع من الأرض، ثم تدعونه غير موسّد و لا ممهّد، قد خلع الأسباب، و فارق الأحباب و واجه الحساب، [مرتهنا بعمله]، غنيا عما ترك، فقيرا إلى ما قدّم؛ و ايم اللّه إني لا أقول لكم هذه المقالة و ما أعلم عند أحد منكم[من الذنوب]أكثر مما عندي، فأستغفر اللّه لي و لكم، و ما تبلغنا[عن أحد منكم]حاجة يتسع لها ما عندنا إلا سددناها، و لا أحد منكم إلا و وددت أن يده مع يدي و لحمتي الذين يلونني، حتى يستوي عيشنا و عيشكم؛ و ايم اللّه إني لو أردت غير هذا من عيش أو غضارة لكان اللسان به ناطقا ذلولا، عالما بأسبابه؛ و لكنه مضى من اللّه كتاب ناطق و سنة عادلة، دل فيها على طاعته، و نهى عن معصيته.
ثم بكى، فتلقى دموع عينيه بردائه؛ فلم ير بعدها على تلك الأعواد حتى قبضه اللّه تعالى.
خطبة يزيد بن الوليد حين قتل الوليد بن يزيد
بقيّ بن مخلد قال: حدّثني خليفة بن خياط، قال: حدّثنا إسماعيل بن إبراهيم قال:
حدّثني إبراهيم بن إسحاق أن يزيد بن الوليد لما قتل الوليد بن يزيد قام خطيبا، فحمد اللّه و أثنى عليه، ثم قال: أما بعد، أيها الناس، إني ما خرجت أشرا و لا بطرا، و لا حرصا على الدنيا، و لا رغبة في الملك؛ و ما بي إطراء نفسي و لا تزكية عملي، و إني لظلوم لنفسي إن لم يرحمني ربي، و لكني خرجت غضبا للّه و دينه، و داعيا إلى كتابه و سنة نبيه، حين درست [١] معالم الهدى، و طفئ نور أهل التقوى، و ظهر الجبار العنيد المستحيل الحرمة، و الراكب البدعة و المغيّر السنة، فلما رأيت ذلك أشفقت إذ غشيتكم ظلمة لا تقتلع، على كثير من ذنوبكم و قسوة من قلوبكم. و أشفقت أن يدعو كثيرا من الناس إلى ما هو عليه، فيجيبه من أجابه منكم؛ فاستخرت اللّه في
[١] درست: امحت و زالت.