العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٧٨ - أعرابي على سفرة سليمان
أحدهم قد علق جعبة فارسية منتفخة الطرفين قد شبكت بالخيوط، و قد ألبست قطعة فرو، كأنهم يخافون عليها القر؛ ثم بدا الثاني فاستخرج من كمه هنة كفيشلة الحمار، فوضع طرفها في فيه فضرط فيها، ثم حسب على جحرة فاستخرج منها صوتا مشاكلا بعضه بعضا؛ ثم بدا الثالث و عليه قميص وسخ، و قد غرق رأسه بالدهن معه مرآتان، فجعل يمري إحداهما على الأخرى؛ ثم بدأ الرابع عليه قميص قصير و سراويل قصيرة، فجعل يقفز صلبه، و يهز كتفيه، ثم التبط بالأرض، فقلت: معتوه و ربّ الكعبة. ثم ما برح مكانه حتى كان أغبط القوم عندي. ثم أرسلت إلينا النساء أن أمتعونا من لهوكم. فبعثوا بهم إليهن، و بقيت الأصوات تدور في آذاننا؛ و كان معنا في البيت شاب لا آبه له، فعلت الأصوات له بالدعاء، فخرج فجاء بخشبة في يده، عينها في صدرها، فيها خيوط أربعة، فاستخرج من جوانبها عودا فوضعه على أذنه، ثم زمّ الخيوط الظاهرة، فلما أحكمها عرك أذنها فنطق فوها، فإذا هي أحسن قينة رأيتها قط[و غنّى عليها]فاستخفّني حتى قمت من مجلسي فجلست إليه فقلت:
بأبي أنت و أمي، ما هذه الدابة؟قال: يا أعرابي، هذا البربط [١] . قلت: فما هذه الخيوط؟قال: أما الأسفل فزير، و الذي يليه مثنى، و الذي يليه مثلث. و الذي يليه بمّ. فقلت: آمنت باللّه.
لأعرابي في تمر:
و قال أعرابي. تمرنا خنس فطس، يغيب فيهن الضرس، كأن فاها ألسن الطير، تقع التمرة منها في فيك، فتجد حلاوتها في كعبك.
أعرابي على سفرة سليمان:
و حضر أعرابي سفرة سليمان بن عبد الملك، فلما أتي بالفالوذج [٢] جعل يسرع فيه، فقال سليمان: أ تدري ما تأكل يا أعرابي؟فقال: بلى يا أمير المؤمنين، إني لأجد ريقا
[١] البربط: العود.
[٢] الفالوذج: حلواء تعمل من الدقيق و الماء و العسل.