العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٥٢ - قولهم في الخيل
قولهم في الخيل
الأصمعي قال: سمعت أعرابيا يقول: خرجت علينا خيل مستطيرة النقع [١] ، كأنّ هواديها [٢] أعلام. و آذانها أطراف أقلام؛ و فرسانها أسود آجام.
أخذ هذا المعنى عدي بن الرقاع فقال:
يخرجن من فرجات النقع دامية # كأنّ آذانها أطراف أقلام
و قال أعرابي: خرجنا حفاة حين انتعل كلّ شيء بظلّه، و ما زادنا إلا التوكل و لا مطايانا إلا الأرجل؛ حتى لحقنا القوم.
و ذكر أعرابي فرسا و سرعته؛ فقال: لما خرجت الخيل أقبل شيطانا في أشطان، فلما أرسلت لمع لمع البرق؛ فكان أقربها [٣]
إليه الذي تقع عينه[من بعد]عليه.
و قال أعرابي في فرس الأعور السلمي:
مرّ كلمع البرق سام ناظره # يسبح أولاه و يطفو آخره
فما يمسّ الأرض منه حافره
سئل أعرابي عن سوابق الخيل، فقال: الذي إذا مشى ردى [٤] ، و إذا عدا دحا [٥] ؛ و إذا استقبل أقعى، و إذا استدبر جبّى [٦] ، و إذا اعترض استوى.
و ذكر أعرابي خيلا؛ فقال: و اللّه ما انحدرت في واد إلا ملأت بطنه، و لا ركبت بطن جبل إلا أسهلت حزنه.
و قال أعرابي: خرجت على فرس يختال اختيال النّشوان، نسوف للحزام؛ مهارش للجام؛ فما متع [٧] النهار حتى أمتعنا برف و رفاهة.
[١] النقع: الغبار الساطع.
[٢] هواديها: أعناقها.
[٣] أقربها، أي أقرب الخيل.
[٤] الرديان: أن يرجم الأرض رجما، بين المشي الشديد و العدو.
[٥] دحا دحوا، أي رمى الفرس في سيره بيديه لا يرفع سنبكه عن الأرض.
[٦] جبى: انكب على وجهه.
[٧] متع النهار: ارتفع و بلغ غاية ارتفاعه قبل الزوال.