العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٨٣ - قولهم في الصحف
وكيع و قريب له:
و أتى وكيع بن الجراح رجل يمت إليه بحرمة، فقال له: و ما حرمتك؟قال له:
كنت تكتب من محبرتي عند الأعمش. فوثب وكيع و دخل منزله، ثم أخرج له بضعة دنانير، و قال له: اعذر فما أملك غيرها.
و في الأقلام
أهدى ابن الحرون إلى رجل من إخوانه من الكتّاب أقلاما؛ فكتب إليه:
إنه لما كانت الكتابة-أبقاك اللّه-أعظم الأمور، و قوام الخلافة، و عمود المملكة؛ خصصتك من آلتها بما يخفّ محمله، و تثقل قيمته، و يعظم نفعه و يجلّ خطره؛ و هي أقلام من القصب النابت في الصّحر [١] الذي نشف في حر الهجير ماؤه، و ستره من تلويحه غشاؤه؛ فهي كاللآلئ المكنونة في الصّدف، و الأنوار المحجوبة في السّدف: تبرية القشور دريّة الظهور، فضية الكسور؛ قد كستها الطبيعة جوهرا كالوشي المحبر، و فرند [٢] الديباج المنيّر.
قولهم في الصحف
نعم الأنيس إذا خلوت كتاب # تلهو به إن ملّك الأحباب
لا مفشيا سرّا إذا استودعته # و تفاد منه حكمة و صواب
و قال آخر:
و لكلّ صاحب لذّة متنزّه # أبدا، و نزهة عالم كتبه
و قال حبيب:
مداد مثل خافية الغراب # و قرطاس كرقراق السّراب
[١] الصحر: جمع صحرة: و هي جوبة تنجاب وسط الحرة و تكون أرضا لينة تطيف بها حجارة.
[٢] الفرند: الثوب.