العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٩٥ - خطبة عبد اللّه بن الزبير حين قدم بفتح أفريقية
بمعرفتكم بها و بإخبار اللّه عنها، و اعلموا أن قوما من عباد اللّه أدركتهم عصمة اللّه فحذروا مصارعها و جانبوا خدائعها، و آثروا طاعة اللّه فيها و أدركوا الجنة بما يتركون منها.
خطبة عبد اللّه بن الزبير حين قدم بفتح أفريقية
قدم عبد اللّه بن الزبير على عثمان بن عفان بفتح إفريقية، فأخبره مشافهة و قص عليه كيف كانت الوقعة، فأعجب عثمان ما سمع منه، فقال له: يا بنيّ، أتقوم بمثل هذا الكلام على الناس؟فقال: يا أمير المؤمنين، أنا أهيب لك مني لهم!فقام عثمان في الناس خطيبا، فحمد اللّه و أثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إن اللّه قد فتح عليكم إفريقية، و هذا عبد اللّه بن الزبير يخبركم خبرها إن شاء اللّه، و كان عبد اللّه بن الزبير إلى جانب المنبر، فقام خطيبا، و كان أول من خطب إلى جانب المنبر، فقال:
الحمد للّه الذي ألّف بين قلوبنا و جعلنا متحابين بعد البغضة، الذي لا تجحد نعماؤه، و لا يزول ملكه؛ له الحمد كما حمد نفسه، و كما هو أهله، انتخب محمدا صلّى اللّه عليه و سلم فاختاره بعلمه، و ائتمنه على وحيه، و اختار له من الناس أعوانا قذف في قلوبهم تصديقه و محبّته، فآمنوا به و عزّزوه و وقّروه و جاهدوا في اللّه حق جهاده، فاستشهد في اللّه منهم من استشهد على المنهاج الواضح، و البيع الرابح، و بقي منهم من بقي، لا تأخذهم في اللّه لومة لائم.
أيها الناس، رحمكم اللّه!إنا خرجنا للوجه الذي علمتم، فكنا مع وال حافظ، حفظ وصية أمير المؤمنين، كان يسير بنا الأبردين [١] ، و يخفض [٢] بنا في الظهائر، و يتخذ الليل جملا، يعجل الرّحلة من المنزل الجدب، و يطيل اللبث في المنزل الخصب، فلم نزل على أحسن حالة نعرفها من ربنا، حتى انتهينا إلى إفريقية، فنزلنا منها حيث يسمعون صهيل الخيل، و رغاء الإبل، و قعقعة السلاح فأقمنا أياما نجمّ كراعنا [٣] !
[١] الأبردين: الغداة و العشي.
[٢] خفض بالمكان: أقام.
[٣] الكراع: جماعة الخيل.