العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٧ - لبعض الأعراب
فتصدقوا؛ إن اللّه يجزي المتصدقين!قال هشام: هل من حاجة غير هذه يا أعرابي؟ قال: ما ضربت إليك أكباد الإبل أدّرع الهجير، و أخوض الدجا لخاصّ دون عام، و لا خير في خير لا يعم. فأمر له هشام بأموال فرّقت في الناس؛ و أمر للأعرابي بمال فرّقه في قومه.
لبعض الأعراب:
طلب أعرابي من رجل حاجة فوعده قضاءها؛ فقال الأعرابي: إن من وعد قضى الحاجة و إن كثرت؛ و المطل من غير عسر آفة الجود.
و قال أعرابي، و أتى رجلا لم تكن بينهما حرمة في حاجة له، فقال: إني امتطيت إليك الرجاء، و سرت على الأمل، و وفدت بالشكر، و توسلت بحسن الظن: فحقق الأمل، و أحسن المثوبة، و أكرم القصد، و أتم الود، و عجل المراد.
وقف أعرابي على حلقة يونس النحوي، فقال: الحمد للّه، و أعوذ باللّه أن أذكر به و أنساه، إنا أناس قدمنا هذه المدينة ثلاثون رجلا؛ لا ندفن ميتا؛ و لا نتحول من منزل و إن كرهناه؛ فرحم اللّه عبدا تصدّق على ابن سبيل، و نضو [١] طريق، و رسل سنة؛ فإنه لا قليل من الأجر؛ و لا غني عن اللّه، و لا عمل بعد الموت؛ يقول اللّه عز و جل: مَنْ ذَا اَلَّذِي يُقْرِضُ اَللََّهَ قَرْضاً حَسَناً [٢] إن اللّه لا يستقرض من عوز؛ و لكن ليبلو خيار عباده.
وقف أعرابي في شهر رمضان على قوم؛ فقال: يا قوم لقد ختمت هذه الفريضة على أفواهنا من صبح أمس، و معي بنتان لي، و اللّه ما علمتهما تخلالا بخلال؛ فهل رجل كريم يرحم اليوم مقامنا، و يرد حشاشتنا؛ منعه اللّه أن يقوم مقامي فإنه مقام ذل و عار و صغار!فافترق القوم و لم يعطوه شيئا!فالتفت إليهم حتى تأملهم جميعا، ثم
[١] نضا نضوا المكان: جاوزه و خلّفه.
[٢] سورة البقرة الآية ٢٤٥.