العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٦ - ابن طوق و أعرابي
منعه الحجاب، و شتمه العبيد، و ضربه الأشراط؛ فلما كان في بعض الأيام خرج مالك بن طوق يريد التنزه حول الرحبة، فعارضه الأعرابي، فضربوه و منعوه، فلم يثنه ذلك حتى أخذ بعنان فرسه، ثم قال: أيها الأمير، إني عائذ باللّه من أشراطك هؤلاء! فقال مالك: دعوا الأعرابي؛ هل من حاجة يا أعرابي؟قال: نعم أصلح اللّه الأمير؛ أن تصغى إليّ بسمعك، و تنظر إليّ بطرفك، و تقبل إليّ بوجهك. قال: نعم. فأنشأ الأعرابي يقول:
ببابك دون الناس أنزلت حاجتي # و أقبلت أسعى حوله و أطوف
و يمنعني الحجّاب و السّتر مسبل # و أنت بعيد و الشروط صفوف [١]
يدورون حولي في الجلوس كأنهم # ذئاب جياع بينهنّ خروف
فأمّا و قد أبصرت وجهك مقبلا # فأصرف عنه إنني لضعيف
و ما لي من الدّنيا سواك و لا لمن # تركت ورائي مربع و مصيف
و قد علم الحيّان قيس و خندف # و من هو فيها نازل و حليف
تخطّيت أعناق الملوك و رحلتي # إليك و قد حنّت إليك صروف
فجئتك أبغي اليسر منك فمرّ بي # ببابك من ضرب العبيد صنوف
فلا تجعلن لي نحو بابك عودة # فقلبي من ضرب الشّروط مخوف
فاستضحك مالك حتى كاد أن يسقط عن فرسه؛ ثم قال لمن حوله: من يعطيه درهما بدرهمين و ثوبا بثوبين؟فوقعت عليه الثياب و الدراهم من كل جانب حتى تحير الأعرابي؛ ثم قال له: هل بقيت لك حاجة يا أعرابي؟قال: أما إليك فلا!قال: فإلى من؟قال: إلى اللّه أن يبقيك للعرب؛ فإنها لا تزال بخير ما بقيت لها.
دخل أعرابي إلى هشام بن عبد الملك، فقال: يا أمير المؤمنين، أتت علينا ثلاثة أعوام: فعام أذاب الشحم، و عام أكل اللحم، و عام انتقى العظم [٢] ؛ و عندكم أموال، فإن تكن للّه فبثوها في عباد اللّه، و إن تكن للناس فلم تحجب عنهم، و إن تكن لكم
[١] الشروط: رجال الشرطة.
[٢] انتقى العظم: استخرج نقيه، و هو مخه.