العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٣٢٣ - فصول إلى خليفة و أمير
يأمر إلا عدلا؛ و لا ينطق إلا فصلا عبئا لدينه و أمانته؛ كافّا ليده و لسانه.
و كتب محمد بن عبد الملك الزيات: إنّ حقّ الأولياء على السلطان: تنفيذ أمورهم، و تقويم أودهم [١] ، و رياضة أخلاقهم، و أن يميز بينهم، فيقدّم محسنهم، و يؤخر مسيئهم؛ ليزداد هؤلاء في إحسانهم، و يزدجر هؤلاء عن إساءتهم.
و فصل له: إن من أعظم الحقّ حقّ الدين، و أوجب الحرمة حرمة المسلمين؛ فحقيق لمن راعى ذلك الحق و حفظ تلك الحرمة، أن يراعى له حسب ما راعاه اللّه، و يحفظ له حسب ما حفظ اللّه على يديه.
و فصل له: إن اللّه أوجب لخلفائه على عباده حقّ الطاعة و النصيحة، و لعبيده على خلفائه بسط العدل و الرأفة، و إحياء السّنن الصالحة؛ فإذا أدّى كلّ إلى كلّ حقّه، كان ذلك سببا لتمام النعمة، و اتصال الزيادة، و اتساق الكلمة، و دوام الألفة.
و فصل: ليس من نعمة يجدّدها اللّه لأمير المؤمنين في نفسه خاصة، إلا اتصلت برعيته عامّة، و شملت المسلمين كافة، و عظم بلاء اللّه عندهم فيها، و وجب عليهم شكره عليها: لأن اللّه جعل بنعمته تمام نعمتهم، و بتدبيره و ذبّه [٢] عن دينه حفظ حريمهم، و بحياطته حقن دمائهم و أمن سبيلهم؛ فأطال اللّه بقاء أمير المؤمنين، مؤيّدا بالنصر، معزّزا بالتمكين، موصول البقاء للنعيم المقيم.
فصل: الحمد للّه الذي جعل أمير المؤمنين معقود النية بطاعته، منطوي القلب على مناصحتهم، مشحوذ السيف على عدوّه؛ ثم وهب له الظفر، و دوّخ له البلاد، و شرّد به العدو، و خصه بشرف الفتوح شرقا و غربا، و برا و بحرا.
و فصل: أفعال الأمير عندنا معسولة [٣] كالأماني، متصلة كالأيام؛ و نحن نواتر الشكر لكريم فعله، و نواصل الدعاء له مواصلة بره؛ إنه الناهض بكلنا، و الحامل
[١] أودهم: اعوجاجهم.
[٢] الذب: الدفاع.
[٣] معسولة: صادقة.