العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٥٩ - خطب علي بن أبي طالب كرم اللّه وجهه
الحمد للّه الذي استخلص الحمد لنفسه، و استوجبه على جميع خلقه، الذي ناصية كلّ شيء بيده، و مصير كل شيء إليه، القويّ في سلطانه، اللطيف في جبروته، لا مانع لما أعطى، و لا معطى لما منع، خالق الخلائق بقدرته، و مسخّرهم بمشيئته، و فيّ العهد، صادق الوعد، شديد العقاب، جزيل الثواب؛ أحمده و أستعينه على ما أنعم به مما لا يعرف كنهه غيره؛ و أتوكل عليه توكّل المتسلم لقدرته، المتبري من الحول و القوّة إليه؛ و أشهد شهادة لا يشوبها شك أنه لا إله إلا هو وحده لا شريك له، إلها واحدا صمدا، لم يتخذ صاحبة و لا ولدا، و لم يكن له شريك في الملك، و لم يكن له وليّ من الذل و كبّره تكبيرا، و هو على كل شيء قدير، قطع ادعاء المدّعي بقوله عز و جل: وَ مََا خَلَقْتُ اَلْجِنَّ وَ اَلْإِنْسَ إِلاََّ لِيَعْبُدُونِ [١] . و أشهد أنّ محمدا صلّى اللّه عليه و سلم صفوته من خلقه، و أمينه على وحيه، أرسله بالمعروف آمرا. و عن المنكر ناهيا، و إلى الحق داعيا؛ على حين فترة من الرسل، و ضلالة من الناس، و اختلاف من الأمور، و تنازع من الألسن، حتى تمم به الوحي، و أنذر به أهل الأرض.
أوصيكم عباد اللّه بتقوى اللّه؛ فإنها العصمة من كل ضلالة، و السبيل إلى كل نجاة؛ فكأنكم بالجثث قد زايلتها أرواحها، و تضمنها أجداثها، فلن يستقبل معمّر منكم يوما من عمره إلا بانتقاص آخر من أجله، و إنما دنياكم كفيء الظل أو زاد الراكب؛ و أحذركم دعاء العزيز الجبار عبده، يوم تعفي آثاره، و توحش منه دياره، و ييتم صغاره، ثم يصير إلى حفير من الأرض، متعفرا على خدّه، غير موسد و لا ممهد: أسأل الذي وعدنا على طاعته جنته، أن يقينا سخطه، و يجنّبنا نقمته، و يهب لنا رحمته. إنّ أبلغ الحديث كتاب اللّه.
و خطبة له رضي اللّه عنه:
أمّا بعد؛ فإنّ الدنيا قد أدبرت و آذنت بوداع، و إنّ الآخرة قد أقبلت و أشرفت باطّلاع، و إنّ المضمار اليوم و السباق غدا، ألا و إنكم في أيام أمل من ورائه أجل؛
[١] سورة الذاريات الآية ٥٦.