العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٦٤ - ما يجوز في الكتابة و ما لا يجوز فيها
فمن الألفاظ المرغوب عنها، و الصدور المستوحش منها في كتب السادات و الملوك و الأمراء، على اتفاق المعاني، مثل: أبقاك اللّه طويلا، و عمّرك مليا. و إن كنا نعلم أنه لا فرق بين قولهم: أطال اللّه بقاك، و بين قولهم: أبقاك اللّه طويلا؛ و لكنهم جعلوا هذا أرجح وزنا، و أنبه قدرا في المخاطبة؛ كما أنهم جعلوا: أكرمك اللّه و أبقاك، أحسن منزلا في كتب الفضلاء و الأدباء، من: جعلت فداك، على اشتراك معناه و احتمال أن يكون فداه من الخير، كما يحتمل أن يكون فداه من الشر؛ و لو لا أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم قال لسعد بن أبي وقاص: ارم فداك أبي و أمي، لكرهنا أن يكتب بها أحد؛ على أن كتّاب العسكر و عوامهم قد ولعوا بهذه اللفظة، حتى استعملوها في جميع محاوراتهم، و جعلوها هجّيراهم [١] في مخاطبة الشريف و الوضيع، و الكبير و الصغير. و لذلك قام محمود الوراق:
كلّ من حلّ سرّمنرأى من الناس # و من قد يداخل الأملاكا
لو رأى الكلب مائلا بطريق # قال للكلب: يا جعلت فداكا!
و كذلك لم يجيزوا أن يكتبوا بمثل: أبقاك اللّه، و أمتع بك؛ إلا في الابن و الخادم المنقطع إليك، و أما في كتب الإخوان فغير جائز، بل مذموم مرغوب عنه؛ و لذلك كتب عبد اللّه بن طاهر إلى محمد بن عبد الملك الزيات:
أ حلت عما عهدت من أدبك # أم نلت ملكا فتهت في كتبك
أم قد ترى أنّ في ملاطفة الإخوان # نقصا عليك في أدبك
أ كان حقّا كتاب ذي مقة # يكون في صدره: و أمتع بك!؟
أتعبت كفّيك في مكاتبتي # حسبك ممّا لقيت في تعبك
فكتب إليه محمد بن عبد الملك الزيات:
كيف أخون الإخاء يا أملي # و كل شيء أنال من سببك
[١] الهجيرى: الدأب و العادة.