العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٣٩ - قولهم في الذمّ
و أنشد أعرابي:
لنا جواد أعار النّيل نائله # و النّيل يشكر منه كثرة النيل
ان بارز الشمس ألقى الشمس مظلمة # أو زاحم الصّم ألجاها إلى الميل
أهدى من النّجم إن تأتيه مشكلة # و عند إمضائه أمضى من السيل
و الموت يرهب أن يلقى منيّته # في شدّه عند لفّ الخيل بالخيل
قولهم في الذمّ
الأصمعي قال: ذكر أعرابي قوما فقال: أولئك سلخت أقفاؤهم بالهجاء، و دبغت وجوههم باللؤم؛ لباسهم في الدنيا الملامة، و زادهم إلى الآخرة الندامة.
قال: و ذكر أعرابي قوما فقال: لهم بيوت تدخل حبوا إلى غير نمارق [١] و لا وسائد، فصح الألسن بردّ السائل؛ جعد الأكف عن النائل.
قال: و سمعت أعرابيا يقول: لقد صغّر فلانا في عيني عظم الدنيا في عينه، و كأنما يرى السائل إذا أتاه، ملك الموت إذا رآه.
و سئل أعرابي عن رجل، فقال: ما ظنكم بسكّير لا يفيق، يتهم الصديق، و يعصى الشفيق، لا يكون في موضع إلا حرمت فيه الصلاة، و لو أفلتت كلمة سوء لم تصر إلا إليه، و لو نزلت لعنة من السماء لم تقع إلا عليه.
و ذكر أعرابي قوما فقال: أقل الناس ذنوبا إلى أعدائهم، و أكثرهم تجرّما على أصدقائهم؛ يصومون عن المعروف، و يفطرون على الفحشاء.
و ذكر أعرابي رجلا فقال: إن فلانا ليعدي بإثمه من تسمّى باسمه، و لئن خيبني فلرب باقية قد ضاعت في طلب رجل كريم.
و ذكر أعرابي رجلا فقال: تغدو إليه مراكب الضلالة فترجع من عنده ببدور [٢]
[١] النمارق مفردها نمرقة و هي الوسادة الصغيرة يتكأ عليها.
[٢] البدور: جمع بدرة و هي كيس فيه ألف أو عشرة آلاف.