العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٩٧ - خطبة للامام علي كرم اللّه وجهه
هو المنان بفرائد النعم، و عوائد المزيد؛ و بجوده ضمنت عياله [١] الخلق، و نهج سبيل الطلب للراغبين إليه، و ليس بما يسأل أجود منه بما لا يسأل، و ما اختلف عليه دهر فتختلف فيه حال، و لو وهب ما انشقت عنه معادن الجبال، و ضحكت عنه أصداف البحار، من فلزّ اللجين [٢] ، و سبائك العقيان، و شذر الدر [٣] ، و حصيد المرجان- لبعض عباده-ما أثر ذلك في ملكه و لا في جوده و لا أنفذ ذلك سعة ما عنده، فعنده من الأفضال ما لا ينفده مطلب و سؤال، و لا يخطر لكم على بال؛ لأنه الجواد الذي لا ينقصه المواهب، و لا يبرمه إلحاح الملحين بالحوائج و إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له: كن فيكون، فما ظنّكم بمن هو كذا و لا هكذا غيره، سبحانه و بحمده.
أيها السائل، أعقل ما سألتني عنه [٤] ، و لا تسأل أحدا بعدي؛ فإني أكفيك مئونة الطلب، و شدة التعمق في المذهب؛ و كيف يوصف الذي سألتني عنه، و هو الذي عجزت الملائكة على قربهم من كرسي كرامته، و طول و لهم إليه، و تعظيمهم جلال عزته، و قربهم من غيب ملكوته-أن يعلموا من علمه إلاّ ما علمهم، و هو من ملكوت العرش بحيث هم من معرفته على ما فطرهم عليه، فقالوا: سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم. فمدح اللّه اعترافهم بالعجز عما لم يحيطوا به علما، و سمّي تركهم التعمق فيما لم يكلفهم البحث عنه رسوخا؛ فاقتصر على هذا و لا تقدّر عظمة اللّه على قدر عقلك فتكون من الهالكين؛ و اعلم أن اللّه الذي لم يحدث فيمكن فيه التغير و الانتقال، و لم يتغير في ذاته بمرور الأحوال. و لم يختلف على تعاقب الأيام و الليالي-هو الذي خلق الخلق على غير مثال امتثله و لا مقدار احتذى عليه من خالق كان قبله. بل أرانا من ملكوت قدرته، و عجائب ربوبيته مما نطقت به آثار حكمته، و اضطرار الحاجة من الخلق إلى أن يفهمهم مبلغ قوّته-ما دلنا بقيام الحجة له بذلك علينا على معرفته.
[١] عيالة الخلق: كفايتهم و مئونتهم و قولهم.
[٢] فلزّ اللجين: معدن الفضّة.
[٣] شذر الدرّ: نظمة.
[٤] أعقل: افهم