العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٨١ - خبر أبي الزهراء
خبر أبي الزهراء
المعلى بن المثني الشيباني قال: حدثنا سويد بن منجوف قال: أقبل أعرابي من بني تميم حتى دخل الكوفة من ناحية جبانة السبيع، تحته أتان [١] له تخب، و عليها ذلاذل [٢]
و أطمار من سحق صوف، قد اعتم بما يشبه ذلك؛ من أشوه الناس منظرا و أقبحهم شكلا؛ و هو يهدر كما يهدر البعير و هو يقول ألا سبد، أ لا لبد [٣] أ لا مؤو أ لا مقر، أ لا سعديّ أ لا يربوعيّ، أ لا دارميّ!هيهات هيهات!و ما يغني أصل حوض الماء صاديا معنى!قال سويد: فدخل علينا في درب الكناسة فلم يجد منفذا و قد تبعه صبيان كثير و سواد من سواد الحي، قال: فسمعت سواديا يقول له: يا عماه، يا إبليس!متى أذن لك بالظهور؟فالتفت إليهم، فقال منذ سروا آباءكم و فشّوا أمهاتكم!قال: و كان معنا أبو حماد الخياط، و كان من أطلب الناس لكلام الأعراب و أصبرهم على الإنفاق على أعرابي، فدخل علينا و كان مع ذلك مولى بني تميم، فأتيته فأخبرته؛ فخرج مبادرا كأني قد أفدته فائدة عظيمة؛ و قد نزل الأعرابي عن الأتان و استند إلى بعض الحيطان و أخذ قوسه بيده؛ فتارة يشير بها إلى الصبيان، و تارة يذبّ الشذا عن الأتان-و هو يقول لأتانه:
قد كنت بالأمعز في خصب خصب # ما شئت من حمض و ماء منسكب [٤]
فربّك اليوم ذليل قد نصب # يرى وجوها حوله ما ترتقب
و لا عليها نور إشراف الحسب # كأنها الزّنج و عبدان العرب
إلى عجيل كالرعيل و السرب # و لو أمنت اليوم من هذا اللّجب [٥]
رميت أفواقا قويمات النّصب # الرّيش أولاها و أخراها العقب
قال: فلم يزل أبو حماد يلطفه و يتلطف به و يبجله، إلى أن أدخله منزله؛ فمهد له
[١] الأتان: أنثى الحمار.
[٢] ذلاذل: أسافل القميص الطويل إذا أخلق.
[٣] السبد: من الشعر؛ و اللبد: من الصوف.
[٤] الأمعز: الأرض الحزنة الغليظة.
[٥] الرّعل: البهمة. و السرب: الذاهب في الأرض على وجهه.