العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٣١٨ - فصول من المدح
و فصل له: إن من النعمة على المثني عليك، أن لا يخاف الإفراط، و لا يأمن التقصير، و يأمن أن تلحقه نقيصة الكذب، و لا ينتهي به المدح إلى غاية إلا وجد فضلك تجاوزها، و من سعادة جدّك أن الداعي لا يعدم كثرة المشايعين [١] له و المؤمّنين معه.
و فصل: إن مما يطمعني في بقاء النعمة عندك، و يزيدني بصيرة في العلم بدوامها لديك، أنك أخذتها بحقها، و استوجبتها بما فيك من أسبابها؛ و من شأن الأجناس أن تتآلف و شأن الأشكال أن تتعارف، و كل شيء يتقلقل [٢] إلى معدنه، و يحنّ إلى عنصره، فإذا صادف منبته و نزل في مغرسه، ضرب بعرقه، و سمّق بفرعه، و تمكن تمكن الإقامة. و تفتّك تفتّك الطبيعة.
و فصل: إني فيما أتعاطى من مدحك، كالمخبر عن ضوء النهار الزاهر، و القمر الباهر، الذي لا يخفى على كل ناظر؛ و أيقنت أني حيث انتهى بي القول، منسوب إلى العجز، مقصر عن الغاية، فانصرفت من الثناء عليك إلى الدعاء لك؛ و وكلت الإخبار عنك إلى علم الناس بك.
و فصل لمحمد بن الجهم: إنك لزمت من الوفاء طريقة محمودة، و عرفت مناقبها و شهرت بمحاسنها؛ فتنافس الإخوان فيك، يبتدرون ودك، و يتمسكون بحبلك؛ فمن أثبت اللّه له عندك ودّا فقد وضعت خلته موضع حرزها.
و فصل لابن مكرم: السيف العتيق إذا أصابه الصدأ استغنى بالقليل من الجلاء، حتى تعود جدّته و يظهر فرنده [٣] ، للين طبيعته، و كرم جوهره؛ و لم أضف نفسي لك عجبا، بل شكرا.
و فصل له: زاد معروفك عندي عظما أنه عندك مستور حقير، و عند الناس مشهور كبير.
[١] المشايع: المتبع.
[٢] يتقلقل: يتحرّك و يذهب.
[٣] الفرند: السيف.