العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٨٤ - خبر أبي الزهراء
إلى ظليل ساكن الأوار [١] # من بعد ما أيقنت بالدّمار
قال: فدعونا له بكسوة غير كسوته فألبسناه، و أتينا به مجلس أبي حماد؛ و كان أبو حماد يبيع الحنطة و التمر و جميع الحبوب؛ و كان يجاوره قوم يبيعون أنبذة التمر و كان أبو الحسن التّمّار ماهرا؛ فإذا خضنا في النحو و ذكرنا الرؤاسي و الكسائي و أبا زيد، جعل ينظر، يفقه الكلام و لا يفهم التأويل؛ فقلنا له: ما تقول يا أبا الزهراء؟فقال:
يا ابن أخي، إن كلامكم هذا لا يسد عوزا مما تتعلمونه له. فقال أبو الحسن: إن بهذا تعرف العرب صوابها من خطئها. فقال له: ثكلت و أثكلت!و هل تخطئ العرب؟قال: بلى. قال: على أولئك لعنة اللّه و على الذين أعتقوا مثلك!قال سويد:
و كنت أحدثهم سنا (قال) فقلت: جعلت فداك، و أنا رجل من بني شيبان و ربيعة؛ ما تعلم أنّا على مثل الذي أنت عليه من الإنكار عليهم؛ فقال فيهم:
يسائلني بيّاع تمر و جردق # و مازج أبوال له في إنائه [٢]
عن الرّفع بعد الخفض، لا زال خافضا # و نصب و جزم صيغ من سوء رائه
فقلت له هذا كلام جهلته # و ذو الجهل يروي الجهل عن نظرائه
فقال بهذا يعرف النحو كلّه # يرى أنني في العجم من نظرائه
فأمّا تميم أو سليم و عامر # و من حلّ غمر الضّالّ أو في إزائه
ففيهم و عنهم يؤثر العلم كلّه # ودع عنك من لا يهتدي لخطائه
فمن ذا الرّؤاسي الذي تذكرونه # و من ذا الكسائي سالح في كسائه
و من ثالث لم أسمع الدهر باسمه # يسمّونه من لؤمه سيبوائه
فكيف يخلّ القول من كان أهله # و يهدى له من ليس من أوليائه
فلست لبيّاع التّميرات مغضيا # على الضّيم إن واقفت بعد عشائه
و لقد قلنا له: يا أبا الزهراء، هل قرأت من كتاب اللّه شيئا؟قال: أي و أبيك، آيات مفصلات أردّدهن في الصلوات، آباء و أمهات، و عمات و خالات ثم أنشأ يقول:
[١] الأوار: الحرّ.
[٢] الجردق: الرغيف.