العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٣٠ - لبعض الأعراب
و بغض الشر خير و إن فعلت أكثره.
و شهد أعرابي عند سوار القاضي بشهادة، فقال له: يا أعرابي، إن ميداننا لا يجري من العتاق فيه إلا الجياد. قال: لئن كشفت لتجدنّي عثورا!فسأل عنه سوار فأخبر بفضل و صلاح، فقال له: يا أعرابي، أنت ممن يجري في ميداننا. قال: ذلك بستر اللّه.
و قال أعرابي: و اللّه لو لا أن المروءة ثقيل محملها، شديدة مئونتها [١] ، ما ترك اللئام للكرام شيئا.
احتضر أعرابي، فقال له بنوه: عظنا يا أبت. فقال: عاشروا الناس معاشرة إن غبتم حنوا إليكم، و إن متم بكوا عليكم.
و دخل أعرابي على بعض الملوك في شملة شعر، فلما رآه أعرض عنه، فقال له:
إن الشملة لا تكلمك و إنما يكلمك من هو فيها.
مرّ أعرابي بقوم يدفنون جارية، فقال نعم الصهر ما صهرتم!و أنشد:
و في الأعياص أكفاء ليلى # و في لحد لها كفء كريم
و قال أعرابي: رب رجل سره منشور على لسانه، و آخر قد التحف عليه قلبه التحاف الجناح على الخوافي.
و مرّ أعرابيان برجل صلبه بعض الخلفاء، فقال أحدهما: أنبتته الطاعة و حصدته المعصية!و قال الآخر: من طلق الدنيا فالآخرة صاحبته، و من فارق الحق فالجذع راحلته.
العتبي عن زيد بن عمارة، قال: سمعت أعرابيا يقول لأخيه و هو يبني منزلا: يا أخي:
أنت في دار شتات # فتأهّب لشتاتك
[١] المئونة: القوت.