العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٨٠ - خطبة لعمر بن عبد العزيز أيضا
أصلحوا سرائركم تصلح لكم علانيتكم، و أصلحوا آخرتكم تصلح دنياكم، و إن امرأ ليس بينه و بين آدم أب حي لمعرق في الموت.
و خطبة له رحمه اللّه
و إن لكل سفر زادا لا محالة. فتزودوا[لسفركم]من دنياكم لآخرتكم التقوى، و كونوا كمن عاين ما أعد اللّه له من ثوابه و عقابه، فرهبوا و رغبوا. و لا يطولن عليكم الأمد، فتقسو قلوبكم و تنقادوا لعدوّكم. فإنه ما بسط أمل من لا يدري لعله لا بصبح بعد إمسائه أو يمسي بعد إصباحه. و ربما كانت بين ذلك خطرات المنايا، و إنما يطمئن إلى الدنيا من أمن عواقبها. فإنّ من يداوي من الدنيا كلما أصابته جراحة من ناحية أخرى، فكيف يطمئن إليها؟أعوذ باللّه أن آمركم بما أنهى عنه نفسي؛ فنخسر صفقتي، و تظهر عيلتي، و تبدو مسكنتي، في يوم لا ينفع فيه إلا الحق و الصدق.
ثم بكى و بكى الناس معه.
خطبة لعمر بن عبد العزيز أيضا
شبيب بن شيبة عن أبي عبد الملك قال كنت من حرس الخلفاء قبل عمر، فكنا نقوم لهم و نبدؤهم بالسلام؛ فخرج علينا عمر رضي اللّه عنه في يوم عيد و عليه قميص كتان و عمامة على قلنسوة لاطئة [١] ، فمثلنا بين يديه و سلمنا عليه، فقال: مه! أنتم جماعة و أنا واحد؛ السلام عليّ و الردّ عليكم، و سلم، فرددنا، و قرّبت له دابته، فأعرض عنها، و مشى و مشينا حتى صعد المنبر، فحمد اللّه و أثنى عليه، و صلى على النبي صلّى اللّه عليه و سلم، ثم قال: وددت أنّ أغنياء الناس اجتمعوا فردّوا على فقرائهم، حتى نستوي نحن بهم، و أكون أنا أولهم. ثم قال: مالي و للدنيا؟أم ما لي و لها و تكلم فأرقّ حتى بكى الناس جميعا يمينا و شمالا، ثم قطع كلامه و نزل؛ فدنا منه رجاء بن حيوة
[١] قلنسوة لاطئة: هي ما تسمى بالطاقية.