العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٦٩ - ما يجوز في الكتابة و ما لا يجوز فيها
فتخيّر من الألفاظ أرجحها لفظا و أجزلها معنى، و أشرفها جوهرا و أكرمها حسبا، و أليقها في مكانها، و أشكلها في موضعها؛ فإن حاولت صنعة رسالة فزن اللفظة قبل أن تخرجها بميزان التصريف إذا عرضت، و عاير الكلمة بمعيارها إذا سنحت؛ فإنه ربما مر بك موضع يكون مخرج الكلام إذا كتبت: أنا فاعل، أحسن من أن تكتب: أنا أفعل، و موضع آخر، يكون فيه: استفعلت، أحلى من: فعلت؛ فأدر الكلام على أماكنه، و قلّبه على جميع وجوهه؛ فأيّ لفظة رأيتها أخفّ في المكان الذي ندبتها إليه، و أنزع إلى الموضع الذي راودتها عليه فأوقعها فيه؛ و لا تجعل اللفظة قلقة في موضعها، نافرة عن مكانها؛ فإنك متى فعلت[ذلك]هجّنت الموضع الذي حاولت تحسينه، و أفسدت المكان الذي أردت إصلاحه؛ فإن وضع الألفاظ في غير أماكنها، و قصدك بها إلى غير مصابها، إنما هو كترقيع الثوب الذي لم تتشابه رقاعه، و لم تتقارب أجزاؤه، خرج عن حد الجدّة و تغيّر حسنه، كما قال الشاعر:
إن الجديد إذا ما زيد في خلق # تبيّن الناس أنّ الثّوب مرقوع [١]
كذلك كلما احلولى الكلام و عذب و راق و سهلت مخارجه، كان أسهل ولوجا في الأسماع، و أشدّ اتصالا بالقلوب، و أخفّ على الأفواه؛ لا سيما إن كان المعنى البديع مترجما بلفظ مونق شريف و معايرا بكلام عذب لم يسمه التكلف بميسمه و لم يفسده التعقيد باستغلافه.
و كتب عيسى بن لهيعة إلى أخيه أبي الحسن، و زوّر كلامه و جاوز المقدار في التنطع [٢] ؛ فوقّع في أسفل كتابه:
أنّى يكون بليغا # من اسمه كان عيّا
و ثالث الحرف منه # إذ كفيت مسيّا
قال: و بلغني أن بعض الكتاب عاد بعض الملوك فوجده يئن من علة، فخرج عنه بباب الطاق، فإذا بطير يدعى الشفانين، فاشتراه و بعث به إليه، و كتب كتابا يتنطع
[١] خلق: ثوب بال.
[٢] تنطّع في كلامه: أي تفصّح فيه و تعمّق.