العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٩ - قول الأعراب في الدعاء
خلفته ظلوما غشوما عاصيا للخالق مطيعا للمخلوق!فازورّ [١] من ذلك الحجاج، و قال: ما أقدمك على هذا و قد تعلم مكانته مني؟فقال له الأعرابي أ فتراه بمكانته منك أعزّ مني بمكانتي من اللّه تبارك و تعالى، و أنا وافد بيته، و قاضي دينه، و مصدّق نبيه صلّى اللّه عليه و سلم!قال: فوجم لها الحجاج و لم يجر له جوابا، حتى خرج الرجل بلا إذن. قال طاوس: فتبعته حتى أتى الملتزم فتعلق بأستار الكعبة، فقال: بك أعوذ، و إليك ألوذ، فاجعل لي في اللهف إلى جوارك و الرضا بضمانك مندوحة عن منع الباخلين، و غنى عما في أيد المستأثرين؛ اللهم عد بفرجك القريب، و معروفك القديم، و عادتك الحسنة.
قال طاوس: ثم اختفى في الناس فألفيته بعرفات قائما على قدميه و هو يقول: اللهم إن كنت لم تقبل حجّي و نصبي و تعبي فلا تحرمني أجر المصاب على مصيبته فلا أعلم مصيبة أعظم ممن ورد حوضك و انصرف محروما من وجه رحمتك.
الأصمعي قال: رأيت أعرابيا يطوف بالكعبة و هو يقول: إلهي عجّت [٢] إليك الأصوات بضروب من اللغات يسألونك الحاجات، و حاجتي إليك إلهي أن تذكرني على طول البلاء إذا نسيني أهل الدنيا. اللهم هب لي حقك، و أرض عني خلقك، اللهم لا تعيني بطلب ما لم تقدّره لي، و ما قدرته لي فيسّره لي.
قال: ودعت أعرابية لابن لها وجهته إلى حاجة، فقالت: كان اللّه صاحبك في أمرك، و خليفتك في أهلك، و وليّ نجح [٣] طلبتك. امض مصاحبا مكلوءا، لا أشمت اللّه بك عدوّا، و لا أرى محبيك فيك سوءا.
قال: و مات ابن لأعرابي فقال: اللهم إني وهبت له ما قصر فيه من بري، فهب له ما قصّر فيه من طاعتك، فانك فإنك أجود و أكرم.
[١] ازور: مال و انحرف.
[٢] عجّت إليك الأصوات أي رفعت إليك.
[٣] النّجح: النجاح.