العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١١ - قولهم في الرقائق
و قيل لأعرابي قد أخذته السن: كيف أصبحت؟قال: أصبحت تقيّدني الشعرة، و أعثر في البعرة [١] ؛ قد أقام الدهر صعري بعد أن أقمت صعره.
و قال أعرابي: لقد كنت أنكر البيضاء فصرت أنكر السوداء، فيا خير مبدول و يا شرّ بدل! و قال أعرابي:
إذا الرجال ولدت أولادها # و جعلت أسقامها تعتادها
و اضطربت من كبر أعضادها # فهي زروع قد دنا حصادها
و ذكر أعرابي قطيعة بعض إخوانه، فقال: صفرت [٢] عياب الودّ بعد امتلائها و اكفهرت وجوه كانت بمائها؛ فأدبر ما كان مقبلا، و أقبل ما كان مدبرا.
و ذكر أعرابي منزلا باد أهله، فقال: منزل و اللّه رحلت عنه ربات الخدور و أقامت فيه أثافيّ [٣] القدور، و قد اكتسى بالنبات كأنما ألبس الحلل؛ و كان أهله يعفّون فيه آثار الرياح، و أصبحت الريح تعفّي آثارهم فالعهد قريب و الملتقى بعيد.
ذكر أعرابي قوما تغيرت أحوالهم، فقال: أ عين و اللّه كحلت بالعبرة بعد الحبرة [٤] ، و أ نفس لبست الحزن بعد السرور.
و ذكر أعرابي قوما تغيرت حالهم، فقال: كانوا و اللّه في عيش رقيق الحواشي فطواه الدهر بعد سعة، حتى يبست أبدانهم من القر، و لم أر صاحبا أغرّ من الدنيا، و لا ظالما أغشم من الموت؛ و من عصف به الليل و النهار أردياه، و من وكل به الموت أفناه.
وقف أعرابي على دار قد باد أهلها، فقال: دار و اللّه معتصرة للدموع، حطت بها
[١] البعرة: جمعها البعر: رجيع ذوات الخف و ذوات الظلف إلا البقر الأهلي.
[٢] صفرت: خلت.
[٣] الأثافي: أحجار ثلاثة توضع عليها القدر.
[٤] الحبرة: الابتهاج.