العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٠٦ - خطبة للحجاج بالبصرة
و خطبة للحجاج
قال مالك بن دينار: غدوت للجمعة، فجلست قريبا من المنبر، فصعد الحجاج ثم قال:
امرؤ حاسب نفسه؛ امرؤ راقب ربه؛ امرؤ زوّر [١] عمله امرؤ فكر فيما يقرؤه غدا في صحيفته و يراه في ميزانه: امرؤ كان عند همه آمرا، و عند هواه زاجرا؛ امرؤ أخذ بعنان قلبه كما يأخذ الرجل بخطام [٢] جمله، فإن قاده إلى حق تبعه، و إن قاده إلى معصية اللّه كفّه. إننا و اللّه ما خلقنا للفناء، و إنما خلقنا للبقاء، و إنما ننتقل من دار إلى دار.
خطبة الحجاج بالبصرة
اتقوا اللّه ما استطعتم. فهذه للّه و فيها مثوبة. ثم قال: «و اسمعوا و أطيعوا» . فهذه لعبد اللّه و خليفة اللّه و حبيب اللّه عبد الملك بن مروان، و اللّه لو أمرت الناس أن يأخذوا في باب واحد و أخذوا في باب غيره، لكانت دماؤهم لي حلالا من اللّه، و لو قتل ربيعة و مضر لكان لي حلالا. عذيري [٣] من هذه الحمراء [٤] ، يرمي أحدهم بالحجر إلى السماء و يقول: يكون إلى أن يقع هذا خير. و اللّه لأجعلنّهم كأمس الدابر؛ عذيري من عبد هذيل، إنه زعم أنه آمن عند اللّه، يقرأ القرآن كأنه رجز الأعراب؛ و اللّه لو أدركته لقتلته.
خطبة للحجاج بالبصرة
حمد اللّه و أثنى عليه ثم قال: إن اللّه كفانا مئونة الدنيا و أمرنا بطلب الآخرة فليته كفانا مئونة الآخرة و أمرنا بطلب الدنيا. ما لي أرى علماءكم يذهبون، و جهّالكم لا يتعلمون، و شراركم لا يتوبون؟ما لي أراكم تحرصون على ما كفيتم، و تضيّعون ما به
[١] زوّر عمله: حسّنه.
[٢] الحطام: الزمام.
[٣] العذير: النصير.
[٤] الحمراء: العجم لبياضهم.