العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٩٢ - خطبة المأمون يوم الأضحى
اللّه عنه، و أستغفر اللّه لي و لكم.
خطب المأمون
خطبة المأمون في يوم الجمعة
الحمد للّه مستخلص الحمد لنفسه، و مستوجبه على خلقه؛ أحمده و أستعينه؛ و أومن به و أتوكل عليه؛ و أشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، و أشهد أن محمدا عبده و رسوله؛ أرسله بالهدى و دين الحق ليظهره على الدين كله و لو كره المشركون. أوصيكم عباد اللّه و نفسي بتقوى اللّه وحده، و العمل لما عنده، و التنجّز لوعده، و الخوف لوعيده؛ فإنه لا يسلم إلا من اتقاه و رجاه، و عمل له و أرضاه.
فاتقوا اللّه عباد اللّه و بادروا آجالكم بأعمالكم؛ و ابتاعوا ما يبقى بما يزول عنكم و يفنى، و ترحلوا عن الدنيا، فقد جدّ بكم، و استعدّوا للموت فقد أظلّكم، و كونوا كقوم صيح بهم فانتبهوا، و علموا أن الدنيا ليست لهم بدار فاستبدلوا؛ فإن اللّه عز و جل لم يخلقكم عبثا، و لم يترككم سدى، و ما بين أحدكم و بين الجنة و النار إلا الموت أن ينزل به، و إن غاية تنقصها اللحظة و تهدمها الساعة الواحدة لجديرة بقصر المدّة، و إن غائبا يحدوه الجديدان الليل و النهار لجدير بسرعة الأوبة، و إن قادما يحل بالفوز أو الشقوة لمستحق لأفضل العدّة، فاتقى عبد ربه و نصح نفسه و قدّم توبته و غلب شهوته، فإن أجله مستور عنه، و أمله خادع له، و الشيطان موكّل به يزيّن له المعصية ليركبها، و يمنّيه التوبة ليسوّفها، حتى تهجم عليه منيته أغفل ما يكون عنها، فيا لها حسرة على كل ذي غفلة أن يكون عمره عليه حجة، أو تؤدّيه أيامه إلى شقوة؛ نسأل اللّه أن يجعلنا و إياكم ممن لا تبطره نعمة، و لا تقصّر به عن طاعة ربه غفلة، و لا يحل به بعد الموت فزعة، إنه سميع الدعاء، بيده الخير و هو على كل شيء قدير، فعّال لما يريد.
خطبة المأمون يوم الأضحى
قال بعد التكبير و التحميد: إن يومكم هذا يوم أبان اللّه فضله، و أوجب تشريفه، و عظّم حرمته، و وفّق له من خلقه صفوته، و ابتلى فيه خليله، و فدى فيه من الذبح