العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٣٢ - لأعرابي
لآخر في القدر:
و سئل أعرابي عن القدر فقال: الناظر في قدر اللّه كالناظر في عين الشمس:
يعرف ضوأها و لا يقف على حدودها.
و سئل آخر عن القدر فقال: علم اختصمت فيه العقول، و تقاول فيه المختلفون، و حق علينا أن نرد ما التبس علينا من حكمه إلى ما سبق من علمه.
و قال أعرابي تكوير [١] الليل و النهار، لا يبقي على الأعمار، و لا لأحد فيه الخيار.
الحجاج و أعرابي:
أبو حاتم عن الأصمعي قال: خرج الحجاج ذات يوم فأصحر [٢] ، و حضر غداؤه فقال: اطلبوا من يتغدّى معنا. فطلبوا، فلم يجدوا إلا أعرابيا في شملة، فأتوه به، قال له: هلم. قال له: قد دعاني من هو أكرم منك فأجبته!قال: و من هو؟قال: اللّه تبارك و تعالى، دعاني إلى الصيام، فأنا صائم. قال: صوم في مثل هذا اليوم على حر؟ قال صمت ليوم هو أحرّ منه!قال فأفطر اليوم و تصوم غدا. قال: و يضمن لي الأمير أن أعيش إلى غدّ!قال: ليس ذلك إلي قال: فكيف تسألني عاجلا بآجل ليس إليه سبيل!قال: إنه طعام طيب. قال: و اللّه ما طيّبه خبازك و لا طباخك، و لكن طيبته العافية!قال الحجاج: تا للّه ما رأيت كاليوم، أخرجوه عني.
لأعرابي:
أبو الفضل الرياشي قال: أنشدنا أعرابي:
أ باكية رزينة إن أتاها # نعيّ أم يكون لها اصطبار
إذا ما أهل ودّي ودّعوني # و راحوا و الأكف بها غبار
و غودر أعظمي في لحد قبر # تعاوره الجنائب و القطار [٣]
[١] تكوير الليل و النهار: أن يلحق أحدهما بالآخر.
[٢] أصحر: خرج إلى الصحراء.
[٣] الجنائب: جمع جنوب، و هي الرياح الحارة؛ و القطار: جمع قطر، و هو المطر.