العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٠٩ - خطبة الحجاج لما مات عبد الملك
قد لفها الليل بعصلبيّ # أروع خرّاج من الدويّ [١]
مهاجر ليس بأعرابيّ
ثم قال:
قد شمّرت عن ساقها فشدّوا # ما علّتي و أنا شيخ إد [٢]
و القوس فيها وتر عردّ # مثل ذراع البكر أو أشدّ [٣]
إني و اللّه يأهل العراق، و معدن الشقاق و النفاق، و مساوى الأخلاق، لا يغمز جانبي كتغماز التّين، و لا يقعقع [٤] لي بالشنان [٥] ؛ و لقد فررت عن ذكاء. و فتّشت عن تجربة، و أجريت إلى الغاية القصوى؛ و إنّ أمير المؤمنين نثر كنانته بين يديه ثم عجم عيدانها، فوجدني أمرّها عودا و أشدّها مكسرا، فوجهني إليكم، و رماكم بي، فإنكم قد طالما أوضعتم [٦] في الفتن و سننتم سنن الغيّ؛ و ايم اللّه لألحونّكم لحو العصا، و لأقرعنكم قرع المروة [٧] ، و لأعصبنكم عصب السّلمة [٨] ، و لأضربنكم ضرب غرائب الإبل، أما و اللّه لا أعد إلا وفيت؛ و لا أخلق إلا فريت [٩] ؛ فإياي و هذه الشفعاء، و الزرافات و الجماعات، و قالا و قيلا. و ما يقولون؛ و فيم أنتم و ذاك؟و اللّه لتستقيمنّ على طريق الحق، أو لأدعنّ لكلّ رجل منكم شغلا في جسده!من وجدته بعد ثالثة من بعث المهلب سفكت دمه و انتهبت ماله و هدمت منزله.
فشمّر الناس بالخروج إلى المهلب؛ فلما رأى المهلب ذلك قال: لقد ولي العراق خير ذكر.
خطبة الحجاج لما مات عبد الملك
قا خطيبا فحمد اللّه و أثنى عليه ثم قال:
[١] العصلبي: الشديد القوي. و الأروع الذكي. و الدوي: الفلاة الواسعة.
[٢] إد: داهية.
[٣] عرد: شديد.
[٤] القعقعة: تحريك الشيء اليابس مع صوت، كالسرح و غيره.
[٥] الشنان: القرب البالية.
[٦] أوضعتم: أسرعتم.
[٧] المروة: حجارة بيض براقة تورى النار.
[٨] السلمة: شجر كثير الشوك.
[٩] أخلق: أقدر. و فريت: قطعت.