العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٨ - لأعرابية مع عبد الرحمن ابن أبي بكر
قال: أشدّ و اللّه عليّ من سوء حالي و فاقتي، توهّمي فيكم المواساة!انتعلوا الطريق لا صحبكم اللّه.
الأصمعي قال: وقف أعرابيّ علينا فقال: يا قوم، تتابعت علينا سنون بتغير و انتقاص، فما تركت لنا هبعا و لا ربعا [١] ، و لا عافطة و لا نافطة [٢] ، و لا ثاغية و لا راغية [٣] ؛ فأماتت الزرع، و قتلت الضرع، و عندكم من مال اللّه فضل نعمة؛ فأعينوني من فضل ما آتاكم اللّه، و ارحموا أبا أيتام، و نضو زمان [٤] ؛ فلقد خلفت أقواما يمرضون مريضهم و لا يكفنون ميتهم، و لا ينتقلون من منزل إلى منزل و إن كرهوه؛ و لقد مشيت حتى انتعلت الدماء، وجعت حتى أكلت النوى.
لأعرابية مع عبد الرحمن ابن أبي بكر:
الأصمعي قال: وقفت أعرابية من هوازن على عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق فقالت: إني أتيت من أرض شاسعة، تهيضني هائضة [٥] و ترفعني رافعة في بواد برين لحمي، و هضن عظمي: و تركنني والهة، قد ضاق بي البلد، بعد الأهل و الولد، و كثرة من العدد؛ لا قرابة تؤويني، و لا عشيرة تحميني، فسألت أحياء العرب: من المرتجى سيبه، المأمون عيبه، الكثير نائله، المكفيّ سائله؟فدللت عليك؛ و أنا امرأة من هوازن، فقدت الولد و الوالد، فاصنع في أمري واحدة من ثلاث: إما أن تحسن صفدي، و إما أن تقيم أودي، و إما أن تردّني إلى بلدي. قال: بل أجمعين لك!ففعل ذلك بها أجمع.
و قال أعرابي:
يا عامل الخير رزقت الجنّة # أكس بنيّاتي و أمّهنّه
و كن لنا من الزمان جنّه # و اردد علينا إنّ إنّ إنّه
أقسمت باللّه لتفعلنّه
[١] الهبع: الفصيل ينتج في أول الصيف. و الربع ما ينتج في أول الربيع.
[٢] العافطة: النعجة، و النافطة: العنز.
[٣] الثاغية: الشاة، و الراغية: الناقة.
[٤] نضو الزمان أي الفقير المعدم.
[٥] الهائضة، أي الشدة و الكرب.