العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٠ - لبعض الأعراب
مسلوب!فقال له: من أنت؟قال: رجل من بني سعد في دية لزمتني، قال: فكم هي؟قال: مائة بعير. قال: دونكها في بطن الوادي! سأل أعرابي رجلا فأعطاه، فقال: جعل اللّه للمعروف إليك سبيلا، و للخير عليك دليلا، و لا جعل حظّ السائل منك عذرة صادقة.
وقف أعرابي بقوم فقال: أشكو إليكم أيها الملأ زمانا كلح [١] فيّ وجهه، و أناخ عليّ كلكله، بعد نعمة من البال، و ثروة من المال، و غبطة من الحال؛ اعتورتني شدائده، بنبل مصائبه، عن قسيّ نوائبه، فما ترك لي ثاغية أجتدي ضرعها، و لا راغية أرتجي نفعها، فهل فيكم من معين على صرفه، أو معد على حتفه؟فردّ القوم عليه و لم ينيلوه شيئا؛ فأنشأ يقول:
قد ضاع من يأمل من أمثالكم # جودا و ليس الجود من فعالكم
لا بارك اللّه لكم في مالكم # و لا أزاح السوء عن عيالكم
فالفقر خير من صلاح حالكم
الأصمعي قال: سأل أعرابي فلم يعط شيئا، فرفع يديه إلى السماء و قال:
يا ربّ ثقتي و ذخري # لصبية مثل صغار الذّرّ
جاءهم البرد و هم بشرّ # بغير لحف و بغير أزر
كأنهم خنافس في جحر # تراهم بعد صلاة العصر
و كلّهم ملتصق بصدري # فاسمع دعائي و تولّ أمري
سأل أعرابي و معه ابنتان له، فلم يعط شيئا؛ فأنشأ يقول:
أيا ابنتيّ صابرا أباكما # إنكما بعين من يراكما
اللّه مولاي و هو مولاكما # فأخلصا للّه في نجواكما
تضرّعا لا تذخرا بكاكما # لعله يرحم من آواكما
إن تبكيا فالدهر قد أبكاكما
[١] كلح: عبس.