العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٦١ - المنصور و قوم من الكتاب
قال: فدعوت المزين فأخذ من شعره. و أدخل الحمام فطرحت عليه شيئا من ثيابي، فلما صرت إلى الأهواز، كلمت الرّخّجيّ، فأعطاه خمسة آلاف درهم. و رجع معي، فلما صرت إلى أمير المؤمنين، قال: ما كان من خبرك في طريقك؟فأخبرته خبري، حتى حدثته حديث الرجل، فقال لي: هذا لا يستغنى عنه، فلأي شيء يصلح؟قلت:
هذا أعلم الناس بالمساحة و الهندسة. قال: فولاه أمير المؤمنين البناء و المرمّة [١] : فكنت و اللّه ألقاه في الموكب النبيل، فينحطّ عن دابته، فأحلف عليه فيقول: سبحان اللّه! إنما هذه نعمتك و بك أفنيتها.
فضائل الكتابة
قال أبو عثمان الجاحظ: ما رأيت قوما أنفذ طريقة في الأدب من هؤلاء الكتاب؛ فإنهم التمسوا من الألفاظ ما لم يكن متوعرا وحشيا، و لا ساقطا سوقيا.
و قال بعض المهالبة لبنيه، تزيّوا بزي الكتاب فإنهم جمعوا أدب الملوك و تواضع السّوقة.
المنصور و قوم من الكتاب:
و عتب أبو جعفر المنصور على قوم من الكتاب فأمر بحبسهم؛ فرفعوا إليه رقعة ليس فيها إلا هذا البيت:
و نحن الكاتبون و قد أسأنا # فهبنا للكرام الكاتبينا
فعفا عنهم و أمر بتخلية سبيلهم.
و قال المؤيد: كتّاب الملوك عيونهم الناظرة، و آذانهم الواعية، و ألسنتهم الناطقة؛
[١] المرمّة: متاع البيت.