العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٩٨ - خطبة عبد اللّه بن الزبير لما بلغه قتل المصعب
و لم تحط به الصفات بإدراكها إياه بالحدود متناهيا، و ما زال إذ هو اللّه الذي ليس كمثله شيء عن صفة المخلوقين متعاليا، انحسرت العيون عن أن تناله فيكون بالعيان موصوفا، و بالذات التي لا يعلمها إلا هو عند خلقه معروفا؛ و فات لعلوّه عن الأشياء مواقع و هم المتوهمين؛ و ليس له مثل فيكون بالخلق مشبها، و ما زال عند أهل المعرفة به عن الأشباه و الأنداد منزّها، و كيف يكون من لا يقدر قدره مقدرا في رويّات الأوهام، و قد ضل في إدراك كيفيته حواسّ الأنام: لأنه أجل من أن تحدّه ألباب البشر بنظير، فسبحانه و تعالى عن جهل المخلوقين و سبحانه و تعالى عن إفك الجاهلين [١] .
ألا و إن للّه ملائكة صلّى اللّه عليه و سلم. لو أن ملكا هبط منهم إلى الأرض لما وسعته لعظم خلقه و كثرة أجنحته؛ و من ملائكته من سد الآفاق بجناح من أجنحته دون سائر بدنه؛ و من ملائكته من السموات إلى حجزته [٢] و سائر بدنه في جرم الهوام الأسفل، و الأرضون إلى ركبته و من ملائكته من لو اجتمعت الإنس و الجنّ على أن يصفوه ما وصفوه، لبعد ما بين مفاصله، و لحسن تركيب صورته؛ و كيف يوصف من سبعمائة عام مقدار ما بين منكبيه إلى شحمة أذنيه؟و من ملائكته من لو ألقيت السّفن في دموع عينيه لجرت دهر الداهرين؛ فأين أين بأحدكم؟و أين أين أن يدرك ما لا يدرك؟
خطبة عبد اللّه بن الزبير لما بلغه قتل المصعب
صعد المنبر فحمد اللّه و أثنى عليه ثم سكت؛ فجعل لونه يحمرّ مرة و يصفر مرة؛ فقال رجل من قريش لرجل إلى جانبه: ماله لا يتكلم؟فو اللّه إنه للبيب الخطباء!قال:
لعله يريد أن يذكر مقتل سيد العرب، فيشتد ذلك عليه، و غير ملوم!ثم تكلم فقال:
الحمد للّه، له الخلق و الأمر و الدنيا و الآخرة؛ يؤتي الملك من يشاء، و ينزع الملك
[١] الإفك: التخرّص و الكذب.
[٢] الحجزة: موضع شدّ الإزار من الوسط.