العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٠٠ - خطبة زياد البتراء
أ تكونون كمن طرفت [١] عينيه الدنيا، و سدّت مسامعه الشهوات، و اختار الفانية على الباقية، و لا تذكرون أنكم أحدثتم في الإسلام الحدث الذي لم تسبقوا إليه، من تركتكم هذه المواخير [٢] المنصوبة، و الضعيفة المسلوبة في النهار المبصر، و العدد غير قليل. أ لم يكن منكم نهاة تمنع الغواة عن دلج [٣] الليل و غارة النهار؟قرّبتم القرابة، و باعدتم الدّين؛ تعتذرون بغير العذر؛ و تغضون على المختلس؛ كلّ امرئ منكم يذبّ عن سفيهه، صنيع من لا يخاف عاقبة و لا يرجو معادا؛ ما أنتم بالحلماء، و لقد اتبعتم السفهاء، فلم يزل بكم ما ترون من قيامكم دونهم، حتى انتهكوا حرم الإسلام، ثم أطرقوا [٤] وراءكم، كنوسا في مكانس [٥] الرّيب؛ حرام عليّ الطعام و الشراب حتى أسويها بالأرض هدما و إحراقا.
إني رأيت آخر هذا الأمر لا يصلح إلا بما صلح به أوله، : لين في غير ضعف، و شدة في غير عنف، و إني أقسم باللّه لآخذنّ الوليّ بالمولى، و المقيم بالظاعن، و المقبل بالمدبر، و الصحيح بالسقيم؛ حتى يلقى الرجل منكم أخاه فيقول انج سعد فقد هلك سعيد!أ و تستقيم لي قناتكم. إنّ كذبة الأمير بلقاء مشهورة فإذا تعلقتم عليّ بكذبة فقد حلت لكم معصيتي. من نقب منكم عليه فأنا ضامن لما ذهب له؛ فإياي و دلج الليل، فإني لا أوتي بمدلج إلا سفكت دمه، و قد أجّلتكم في ذلك بقدر ما يأتي الخبر الكوفة و يرجع إليكم؛ و إياي و دعوى الجاهلية، فإني لا أجد أحدا دعا بها إلا قطعت لسانه. و قد أحدثتم أحداثا لم تكن و قد أحدثنا لكل ذنب عقوبة، فمن غرّق قوما غرّقناه، و من أحرق قوما أحرقناه، و من نقب بيتا نقبنا عن قلبه، و من نبش قبرا دفنّاه فيه حيا. فكفوا عني ألسنتكم و أيديكم، أكفّ يدي و لساني؛ و لا يظهرنّ من أحد منكم ريبة بخلاف ما عليه عامّتكم إلا ضربت عنقه. و قد كانت بيني و بين قوم إحن [٦] فجعلت ذلك دبر أذني و تحت قدمي؛ فمن كان محسنا فليزدد في
[١] طرفت عينيه الدنيا: أي مالت ببصره إلى زخرفها.
[٢] المواخير: مجامع أهل الفسق و الفساد.
[٣] دلج الليل: سار من أوله.
[٤] أطرقوا وراءكم: اقتدوا بكم.
[٥] المكانس: جمع مكنس، و هو الموضع يؤوي إليه و يختبأ فيه.
[٦] إحن: أحقاد.