العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٠١ - خطبة زياد البتراء
إحسانه، و من كان مسيئا فلينزع عن إساءته؛ إني لو علمت أن أحدكم قد قتله السلّ من بغضي لم أكشف له قناعا و لم أهتك له سترا حتى يبدي لي صفحته. فإن فعل ذلك لم أنظره؛ فاستأنفوا أموركم، و استعينوا على أنفسكم؛ فرب مبتئس بقدومنا سيسرّ؛ و مسرور بقدومنا سيبتئس.
أيها الناس: إنا أصبحنا لكم ساسة، و عنكم ذادة؛ نسوسكم بسلطان اللّه الذي أعطانا، و نذود عنكم بقيء اللّه الذي خوّلنا؛ فلنا عليكم السمع و الطاعة فيما أحببنا؛ و لكم علينا العدل فيما ولينا؛ فاستوجبوا عدلنا و فيئنا بمناصحتكم لنا؛ و اعلموا أني مهما أقصّر عنه فلن أقصر عن ثلاث: لست محتجبا عن طالب حاجة و لو أتاني طارقا بلبل، و لا حابسا عطاء و لا رزقا عن إبّانه، و لا مجمّرا لكم بعثا؛ فادعوا اللّه بالصلاح لأئمتكم؛ فإنهم ساستكم المؤدّبون لكم، و كهفكم الذي إليه تأوون؛ و متى يصلحوا تصلحوا؛ و لا تشربوا قلوبكم بغضهم؛ فيشتد لذلك أسفكم، و يطول له حزنكم، و لا تدركوا له حاجتكم؛ مع أنه لو استجيب لكم فيهم لكان شرا لكم.
أسأل اللّه أن يعين كلا على كل. و إذا رأيتموني أنفذ فيكم أمرا فأنفذوه على أذلاله [١] ، و ايم اللّه إن لي فيكم لصرعى كثيرة، فليحذر كل امرئ منكم أن يكون من صرعاي. ثم نزل.
فقام إليه عبد اللّه بن الأهتم، فقال: أشهد أيها الأمير، لقد أوتيت الحكمة و فصل الخطاب!قال له: كذبت!ذاك داود صلّى اللّه عليه و سلم.
فقام الأحنف بن قيس فقال: إنما الثناء بعد البلاء، و الحمد بعد العطاء، و إنا لن نثني حتى نبتلي. قال له زياد: صدقت! فقام أبو بلال[مرداس بن أديّة]و هو يهمس و يقول: أنبأنا اللّه تعالى بخلاف ما قلت؛ قال اللّه تعالى: وَ إِبْرََاهِيمَ اَلَّذِي وَفََّى، `أَلاََّ تَزِرُ وََازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرىََ، `وَ أَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسََانِ إِلاََّ مََا سَعىََ [٢] . فسمعها زياد، فقال: إنا لا نبلغ من أصحابك ما
[١] على إذلاله، أي على وجوهه و طرقه.
[٢] سورة النجم الآية ٣٧-٣٩.