العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٩ - لبعض الأعراب
قال و سمعت أعرابيا يقول لابنه و هو يعاتبه: لا تتوهمن-على من يستدل على غائب الأمور بشاهدها-الغفلة عن أمور يعاينها، فتكون بنفسك أخطأت، و حظّك أخطأت.
و نظر أعرابي إلى رجل حسن الوجه بضّه [١] فقال. إني أرى وجها ما علقه برد وضوء السّحر، و لا هو بالذي قال فيه الشاعر:
من كلّ مجتهد برى أوصاله # صوم النهار و سجدة الأسحار
الأصمعي قال: سمعت أعرابيا ينشد:
و إذا أظهرت أمرا حسنا # فليكن أحسن منه ما تسرّ
فمسرّ الخير موسوم به # و مسرّ الشرّ موسوم بشرّ
و قول الأعرابي هذا على ما جاء في حديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: «ما اسر امرؤ سريرة إلا ألبسه اللّه رداءها، إن خيرا فخير و إن شرّا فشر» .
قال: و أنشدني أعرابي:
و ما هذه الأيام إلاّ معارة # فما اسطعت من معروفها فتزوّد
فإنك لا تدري بأيّة بلدة # تموت و لا ما يحدث اللّه في غد
يقولون لا تبعد و من يك مسدلا # على وجهه ستر من الأرض يبعد
و قال أعرابي: أعجز الناس من قصّر في طلب الإخوان، و أعجز منه من ضيّع من ظفر به منهم.
و قال أعرابي لابنه: لا يسرك أن تغلب بالشر؛ فإن الغالب بالشر هو المغلوب.
و قال أعرابي لأخ له: قد نهيتك أن تريق ماء وجهك عند من لا ماء في وجهه.
فإن حظك من عطيته السؤال.
قال: و سمعت أعرابيا يقول: إن حب الخير خير و إن عجزت عنه المقدرة،
[١] البضّ: النّضر.