العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٩٣ - جواب ابن عباس رضي اللّه عنهما لمعاوية و أصحابه
على معاوية حقّارا له، فبلغه عنه بعض ما غمّه؛ فقال معاوية: رحم اللّه أبا سفيان و العباس، كانا صفيّين دون الناس، فحفظت الميت في الحي و الحيّ في الميّت؛ استعملك عليّ يا ابن عباس على البصرة، و استعمل أخاك عبيد اللّه على اليمن، و استعمل أخاك تمّاما على المدينة؛ فلما كان من الأمر ما كان، هنأتكم ما في أيديكم، و لم أكشفكم عما وعت غرائركم، و قلت: آخذ اليوم و أعطي غدا مثله.
و علمت أن بدء اللؤم يضر بعاقبة الكرم، و لو شئت لأخذت بحلاقيمكم و قيّأتكم ما أكلتم. و لا يزال يبلغني عنكم ما تبرك له الإبل، و ذنوبكم إلينا أكثر من ذنوبنا إليكم: خذلتم عثمان بالمدينة، و قتلتم أنصاره يوم الجمل، و حاربتموني بصفين، و لعمري لبنو تيم و عدي أعظم ذنوبا منا إليكم؛ إذ صرفوا عنكم هذا الأمر، و سنوا فيكم هذه السنة؛ فحتى متى أغضي الجفون على القذى، و أسحب الذيول على الأذى، و أقول: لعل اللّه و عسى... ما تقول يا ابن عباس؟!.
قال: فتكلم ابن عباس فقال: رحم اللّه أبانا و أباك، كانا صفيين متفاوضين [١] ؛ لم يكن لأبي من مال إلا ما فضل أباك، و كان أبوك كذلك لأبي؛ و لكن من هنّأ أباك بإخاء أبي أكثر ممن هنأ أبي بإخاء أبيك؛ نصر أبي أباك في الجاهلية، و حقن دمه في الإسلام، و أما استعمال عليّ إيانا فلنفسه دون هواه و قد استعملت أنت رجالا لهواك لا لنفسك، منهم ابن الحضرميّ على البصرة فقتل، و ابن بشر بن أرطاة على اليمن فخان، و حبيب بن مرة على الحجاز فردّ، و الضحاك بن قيس الفهري على الكوفة فحصب؛ و لو طلبت ما عندنا وقينا أعراضنا، و ليس الذي يبلغك عنا بأعظم من الذي يبلغنا عنك، و لو وضع أصغر ذنوبكم إلينا على مائة حسنة لمحقها، و لو وضع أدنى عذرنا إليكم على مائة سيئة لحسّنها. و أما خذلنا عثمان فلو لزمنا نصره لنصرناه، و أما قتلنا أنصاره يوم الجمل فعلى خروجهم مما دخلوا فيه و أما حربنا إياك بصفين فعلى تركك الحقّ و ادعائك الباطل، و أما إغراؤك إيانا بتيم و عدي فلو أردناها ما غلبونا عليها.
[١] المفاوضة: المشاركة.