العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٩٤ - و خطبة المأمون في الفطر
ثم كبّر و حمد و ذكر النبي صلّى اللّه عليه و سلم، و أوصى بالبر و التقوى، ثم قال:
اتقوا اللّه عباد اللّه، و بادروا الأمر الذي اعتدل فيه يقينكم و لم يحضر الشك فيه أحدا منكم، و هو الموت المكتوب عليكم، فإنه لا تستقال بعده عثرة، و لا تحظر قبله توبة؛ و اعلموا أنه لا شيء[قبله إلا دونه، و لا شيء]بعده إلا فوقه: و لا يعين على جزعه و علزه [١] و كربة، و على القبر و ظلمته و وحشته و ضيقه و هول مطلعه و مسألة ملكيه-إلا العمل الصالح الذي أمر اللّه به، فمن زلت عند الموت قدمه، فقد ظهرت ندامته، و فاتته استقالته، و دعا من الرجعة إلى ما لا يجاب إليه، و بذل من الفدية ما لا يقبل منه؛ فاللّه اللّه عباد اللّه، كونوا قوما سألوا الرجعة فأعطوها إذ منعها الذين طلبوها، فإنه ليس يتمنى المتقدمون قبلكم، إلا هذا الأجل المبسوط لكم؛ فاحذروا ما حذركم اللّه فيه، و اتقوا اليوم الذي يجمعكم اللّه فيه لوضع موازينكم، و نشر صحفكم الحافظة لأعمالكم، فلينظر عبد ما يضع في ميزانه مما يثقل به و ما يملي في صحيفته الحافظة لما عليه و له؛ فقد حكى اللّه لكم ما قال المفرّطون عند ما طال إعراضهم عنها؛ قال جل ذكره: وَ وُضِعَ اَلْكِتََابُ فَتَرَى اَلْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمََّا فِيهِ وَ يَقُولُونَ: يََا وَيْلَتَنََا مََا لِهََذَا اَلْكِتََابِ لاََ يُغََادِرُ صَغِيرَةً وَ لاََ كَبِيرَةً إِلاََّ أَحْصََاهََا؟وَ وَجَدُوا مََا عَمِلُوا حََاضِراً وَ لاََ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً [٢] . و قال: وَ نَضَعُ اَلْمَوََازِينَ اَلْقِسْطَ لِيَوْمِ اَلْقِيََامَةِ فَلاََ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَ إِنْ كََانَ مِثْقََالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنََا بِهََا وَ كَفىََ بِنََا حََاسِبِينَ [٣] !و لست أنهاكم عن الدنيا بأكثر مما نهتكم به الدنيا عن نفسها، فإن كل ما بها يحذّر منها و ينهى عنها، و كل ما فيها يدعو إلى غيرها، و أعظم مما رأته أعينكم من فجائعها و زوالها، ذمّ كتاب اللّه لها و النهي عنها؛ فإنه يقول تبارك و تعالى: فَلاََ تَغُرَّنَّكُمُ اَلْحَيََاةُ اَلدُّنْيََا وَ لاََ يَغُرَّنَّكُمْ بِاللََّهِ اَلْغَرُورُ [٤] . و قال: أَنَّمَا اَلْحَيََاةُ اَلدُّنْيََا لَعِبٌ وَ لَهْوٌ وَ زِينَةٌ وَ تَفََاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَ تَكََاثُرٌ فِي اَلْأَمْوََالِ وَ اَلْأَوْلاََدِ [٥] . فانتفعوا
[١] العلز: ما يصيب المريض عند حشرجة الموت من رعدة و اضطراب.
[٢] سورة الكهف الآية ٤٩.
[٣] سورة الانبياء الآية ٤٧.
[٤] سورة فاطر الآية ٥. و سورة لقمان الآية ٣٣.
[٥] سورة الحديد الآية ٢٠.