العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢١ - لبعض الأعراب
هشام و أعرابي:
العتبي قال: كانت الأعراب تنتجع هشام بن عبد الملك بالخطب كل عام، فتقدّم إليهم الحاجب يأمرهم بالإيجاز، فقام أعرابي فحمد اللّه و أثنى عليه، ثم قال: يا أمير المؤمنين، إنّ اللّه تبارك و تعالى جعل العطاء محبة؛ و المنة مبغضة؛ فلأن نحبك خير من أن نبغضك!فأعطاه و أجزل له.
الأصمعي قال: وقف أعرابي غنويّ على قوم؛ فقال بعد التسليم: أيها الناس، ذهب النّيل؛ و عجف الخيل [١] ؛ و بخس الكيل؛ فمن يرحم نضو سفر، و قل سنة، و يقرض اللّه قرضا حسنا. لا يستقرض اللّه من عدم، و لكن ليبلوكم فيما آتاكم. ثم أنشأ يقول:
هل من فتى مقتدر معين # على فقير بائس مسكين
أبي بنات و أبي بنين # جزاه ربّي بالذي يعطيني
أفضل ما يجزى به ذو الدّين
لبعض الأعراب:
الأصمعي قال: سمعت أعرابيا يقول لرجل: أطعمك اللّه الذي أطعمتني له؛ فقد أحييتني بقتل جوعي، و دفعت عني سوء ظني بيومي؛ فحفظك اللّه على كل جنب، و فرج عنك كل كرب، و غفر لك كل ذنب.
و سأل أعرابيّ رجلا فاعتلّ عليه، فقال: إن كنت كاذبا فجعلك اللّه صادقا! و قال أعرابي للمأمون:
قل للإمام الذي ترجى فضائله # رأس الأنام و ما الأذناب كالراس
إني أعوذ بهارون و خفرته # و بابن عمّ رسول اللّه عبّاس: [٢]
من أن تشدّ رحال العيس راجعة # إلى اليمامة بالحرمان و الياس [٣]
[١] عجف الخيل: هزل.
[٢] الخفرة: الذمام و العهد.
[٣] العيس: الإبل التي يخالط بياضها شقرة.