العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٧ - قول الأعراب في الدعاء
شعارا و دثارا [١] ، و جنّة دون كل بلاء.
الأصمعي قال: خرجت أعرابية إلى منى فقطع بها الطريق، فقالت: يا رب، أخذت و أعطيت و أنعمت و سلبت، و كل ذلك منك عدل و فضل، و الذي عظّم على الخلائق أمرك؛ لا بسطت لساني بمسألة أحد غيرك، و لا بذلت رغبتي إلا إليك يا قرة أعين السائلين، أغنني بجود منك أتبحبح في فراديس نعمته، و أتقلب في رواق نضرته، احملني من الرجلة [٢] ، و أغنني من العيلة، و أسدل عليّ سترك الذي لا تخرقه الرماح، و لا تزيله الرياح، إنك سميع الدعاء.
قال: و سمعت أعرابيا في فلاة من الأرض و هو يقول في دعائه: اللهم إن استغفاري إياك مع كثرة ذنوبي للؤم، و إن تركي الاستغفار مع معرفتي بسعة رحمتك لعجز! إلهي كم تحببت إليّ بنعمتك و أنت غنيّ عني، و كم أتبغّض إليك بذنوبي و أنا فقير إليك!سبحان من إذا توعد عفا، و إذا وعد وفى.
قال: و سمعت أعرابيا يقول في دعائه: اللهم إن ذنوبي إليك لا تضرّك، و إن رحمتك إياي لا تنقصك؛ فاغفر لي مالا يضرك، وهب لي مالا ينقصك.
قال: و سمعت أعرابيا و هو يقول في دعائه: اللهم إني أسألك عمل الخائفين، و خوف العاملين، حتى أتنعم بترك النعم طمعا فيما وعدت، و خوفا مما أوعدت اللهم أعذني من سطواتك؛ و أجرني من نقماتك؛ سبقت لي ذنوب و أنت تغفر لمن يتوب؛ إليك بك أتوسل، و منك إليك أفرّ.
قال: و سمعت أعرابيا يقول: اللهم إن أقواما آمنوا بك بألسنتهم ليحقنوا دماءهم فأدركوا ما أمّلوا، و قد آمنا بك بقلوبنا لتجيرنا من عذابك فأدرك منا ما أمّلناه.
قال: و رأيت أعرابيا متعلقا بأستار الكعبة رافعا يديه إلى السماء و هو يقول رب،
[١] الدثار: الثوب الذي يكون فوق الشّعار، و الشعار ما ولي جسد الانسان دون ما سواه من الثياب
[٢] الرّجلة: المشي راجلا.