العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٥ - قول الأعراب في الدعاء
بدنه ضعيف، و منّته عاجزة؛ قد انتهت عدّته، و خلقت جدته، و تم ظمؤه؛ لا تخيبني و أنا أرجوك، و لا تعذبني و أنا أدعوك، و الحمد للّه على طول النسيئة، و حسن التباعة، و تشنج العروق، و إساغة الريق، و تأخر الشدائد؛ و الحمد للّه على حلمه بعد علمه، و على عفوه بعد قدرته؛ و الحمد للّه الذي لا يودى قتيله، و لا يخيب سوله، و لا يردّ رسوله. اللهم إني أعوذ بك من الفقر إلا إليك، و من الذل إلا لك؛ و أعوذ بك أن أقول زورا، أو أغشى فجورا، أو أكون بك مغرورا؛ و أعوذ بك من شماتة الأعداء، و عضال [١] الداء، و خيبة الرجاء، و زوال النعمة، و فجاءة النقمة.
دعا أعرابي و هو يطوف بالكعبة فقال: إلهي، من أولى بالتقصير و الزلل مني و أنت خلقتني، و من أولى بالعفو منك عني و علمك بي ماض، و قضاؤك بي محيط؛ أطعتك بقوتك و المنة لك، و عصيتك بعلمك، فأسألك يا إلهي بوجوب رحمتك، و انقطاع حجّتي، و افتقاري إليك، و غناك عني-أن تغفر لي و ترحمني، إلهي لم أحسن حتى أعطيتني. فتجاوز عن الذنوب التي كتبت عليّ، اللهم إنا أطعناك في أحب الأشياء إليك: شهادة أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، و لم نعصك في أبغض الأشياء إليك: الشرك بك؛ فاغفر لي ما بين ذلك؛ اللهم إنك آنس المؤنسين لأوليائك، و أحضرهم للمتوكلين عليك. إلهي أنت شاهدهم و غائبهم، و المطلع على ضمائرهم، و سرّي لك مكشوف، و أنا إليك ملهوف؛ إذا أوحشتني الغربة، آنسني ذكرك؛ و إذا أكبت عليّ الغموم، لجأت إلى الاستجارة بك؛ علما بأن أزمة [٢] الأمور كلها بيدك، و مصدرها عن قضائك، فأقللني إليك مغفورا لي، معصوما بطاعتك باقي عمري، يا أرحم الراحمين.
الأصمعي قال: حججت فرأيت أعرابيا يطوف بالكعبة و يقول: يا خير موفود سعى إليه الوفد، قد ضعفت قوّتي، و ذهبت منتي، و أتيت إليك بذنوب لا تغسلها الأنهار و لا تحملها البحار؛ أستجير برضاك من سخطك، و بعفوك من عقوبتك، ثم
[١] عضال: شديد.
[٢] أزمة: مفردها زمام، و زمام الأمر ملاكه.