العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٨٣ - خبر أبي الزهراء
يطرف، فلما رأى ذلك بسط يده فأخذ واحدة، فنزع أعلاها و قوّر أسفلها، فقلنا له:
ما تريد أن تصنع يا أبا الزهراء؟فقال: إن كان السم يا ابن أخي ففيما ترون!فلما طعمه استخفّه و استعذبه و استحلاه، فلم يكن يؤثر عليه شيئا، و ما كنا نأتيه بعد بغيره، و جعل في خلال ذلك يقول:
هذا طعام طيّب يلين # في الجوف و الحلق له سكون
الشّهد و الزبد به معجون
فلما كان إلى أيام، قلت له: يا أبا الزهراء، هل لك في الحمام؟قال: و ما الحمام يا ابن أخي؟قلنا له: دار فيها أبيات: حارّ، و فاتر، و بارد؛ تكون في أيها شئت يذهب عنك قشف السفر و يسقط عنك هذا الشعر. قال: فلم نزل به حتى أجابنا، فأتينا به الحمام، و أمرنا صاحب الحمام أن لا يدخل علينا أحدا، فدخل و هو خائف مترقب، لا ينزع يده من يد أحدنا، حتى صار في داخل الحمام، فأمرنا من طلاه بالنّورة [١] ، و كان جلده أشعر كجلد عنز، فقلق و نازع للخروج، و بدأ شعره يسقط؛ فقلنا أ حين طاب الحمام و بدأ شعرك يسقط تخرج؟قال: يا بن أخي، و هل بقي إلا أن أنسلخ كما ينسلخ الأديم في احتدام القيظ!و جعل يقول:
و هل يطيب الموت يا إخواني # هل لكم في القوس و الأتان
خذوهما منّي بلا أثمان # و خلّصوا المهجة يا صبيان
فاليوم لو أبصرني جيراني # عريان بل أعرى من العريان
قد سقط الشّعر من الجثمان # حسبت في المنظر كالشّيطان!
قال: ثم خرج مبادرا، و اتبعه أحداث لنا، لولاهم لخرج بحاله تلك ما يستره شيء؛ و لحقناه في وسط البيوت، فأتيناه بماء بارد، فشرب و صب على رأسه، فارتاح و استراح، و أنشأ يقول:
الحمد للمستحمد القهّار # أنقذني من حرّ بيت النار
[١] النورة: حجر يحرق و يسوى منه الكلس و يحلق به الشعر.