العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٣١٣ - فصول في عتاب
عتبك سببا لمنع معروفك.
و فصل: لو كانت الشكوك تختلجني في صحة مودّتك و كريم إخائك و دوام عهدك، لطال عتبي عليك، في تواتر كتبي و احتباس جواباتها عني؛ و لكن الثقة بما تقدم عندي، تعذرك و تحسن ما يقبّحه جفاؤك، و اللّه يديم نعمته لك و لنا بك.
و فصل لابن المدبر: وصل كتابك المفتتح بالعتاب الجميل، و التقريع اللطيف؛ فلو لا ما غلب عليّ من السرور بسلامتك، لتقطعت غمّا بعتابك، الذي لطف حتى كاد يخفى عن أهل الرقة و الفطنة، و غلظ حتى كاد يفهمه أهل الجهل و البله؛ فلا أعدمني اللّه رضاك مجازيا به على ما استحقّه عتبك، فأنت ظالم فيه، فهو وليّ المخرج منه.
و قال أبو الدرداء: إعتاب الأخ خير من فقده.
و قال الشاعر:
إذا ذهب العتاب فليس ودّ # و يبقى الودّ ما بقي العتاب
و قال آخر في غير هذا المعنى:
إذا كنت تغضب من غير ذنب # و تعتب في كلّ يوم عليّا
طلبت رضاك، فإن عزّني # عددتك ميتا و إن كنت حيّا
و لا تعجبنّ بما في يديك # فأكثر منه الذي في يديّا!
و فصل في عتاب: العتاب قبل العقاب؛ فليكن إيقاعك بعد وعيدك، و وعيدك بعد وعدك.
و فصل: قد حميت جانب الأمل فيك، و قطعت أسباب الرجاء منك و قد أسلمني اليأس منك إلى العزاء عنك؛ فإن ترغب من الآن فصفح لا تثريب معه، و إن تماديت فهجر لا وصل بعده.