العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٦٣ - خطب علي بن أبي طالب كرم اللّه وجهه
أصبحت أذكر أرحاما و آصرة # بدلت منها هويّ الرّيح بالقصب [١]
أما و اللّه لو أني حين أمرتكم بما أمرتكم به، و نهيتكم عما نهيتكم عنه، حملتكم على المكروه الذي جعل اللّه عاقبته خيرا إذا كان فيه، لكانت الوثقى التي لا تقلع، و لكن بمن؟و إلى من؟[أريد أن]أداوي بكم[و أنتم دائي]؛ إني و اللّه بكم كناقش [٢] الشّوكة بالشوكة، يا ليت لي بعض قومي و ليت لي من بعد خير قومي، اللهم إن دجلة و الفرات نهران أعجمان أصمان أبكمان، اللهم سلط عليهما بحرك، و انزع منهما بصرك؛ ويل للنّزعة [٣] يا أشطان الرّكيّ [٤] ![أين الذين]دعوا إلى الإسلام فقبلوه، و قرءوا القرآن فأحسنوه، و نطقوا بالشعر فأحكموه و هيجوا إلى الجهاد فولهوا[و له]اللقاح[إلى]أولادها، و سلبوا السيوف أغمادها ضربا ضربا، [و أخذوا بأطراف الأرض]زحفا زحفا، لا يتباشرون بالأحياء، و لا يعزّون على القتلى و لا يغيرون على العلي.
أولئك إخواني الذاهبون # فحقّ البكاء لهم أن يطيبا
رزقت حبيبا على فاقة # و فارقت بعد حبيب حبيبا!
ثم نزل تدمع عيناه؛ فقلت إنا للّه و إنا إليه راجعون على ما صرت إليه!فقال:
نعم، إنا للّه و إنا إليه راجعون!أقوّمهم و اللّه غدوة و يرجعون إلى عشية مثل ظهر الحية، حتى متى؟و إلى متى؟حسبي اللّه و نعم الوكيل! و هذه خطبته الغراء، رضي اللّه عنه:
الحمد للّه الأحد الصمد، الواحد المنفرد، الذي لا من شيء كان و لا من شيء خلق إلا و هو خاضع له؛ قدرة بان بها من الأشياء و بانت الأشياء منه، فليست له صفة تنال، و لا حدّ يضرب له فيه الأمثال، كلّ دون صفته تحبير اللغات، و ضلت هناك تصاريف الصفات و حارت دون ملكوته مذاهب التفكير، و انقطعت دون علمه
[١] هويّ الريح: هبوبها.
[٢] نقش الشوكة: أخرجها.
[٣] الترعة: الذين يترعون الدلاء.
[٤] الأشطان: حبال الدلاء. و الركيّ: البئر.