العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٦٤ - خطب علي بن أبي طالب كرم اللّه وجهه
جوامع التفسير، و حالت دون غيبه حجب تاهت في أدنى دنوّها طامحات العقول؛ فتبارك اللّه الذي لا يبلغه بعد الهمم، و لا يناله غوص الفطن؛ و تعالى الذي ليس له نعت موجود، و لا وقت محدود، و سبحان الذي ليس له أول مبتدأ، و لا غاية منتهى، و لا آخر يفنى؛ و هو سبحانه كما وصف نفسه، و الواصفون لا يبلغون نعته؛ أحاط بالأشياء كلها علمه و أتقنها صنعه، و ذللها أمره، و أحصاها حفظه؛ فلا يعزب عنه غيوب الهوى، و لا مكنون صلم الدجى، و لا ما في السموات العلى إلى الأرض السابعة السفلى؛ فهو لكل شيء منها حافظ و رقيب، أحاط بها الأحد الصمد الذي لم تغيّره صروف الأزمان، و لا يتكاءده [١] صنع شيء منها كان؛ قال لما شاء أن يكون: كن! فكان؛ ابتدع ما خلق بلا مثال سبق، و لا تعب و لا نصب؛ و كل عالم من بعد جهل يعلم، و اللّه لم يجهل و لم يتعلم؛ أحاط بالأشياء كلها علما، و لم يزدد بتجربتها خبرا؛ علمه بها قبل كونها كعمله بها بعد تكوينها؛ لم يكوّنها لتسديد سلطان، و لا خوف زوال و لا نقصان، و لا استعانة على ضد مناوئ، و لا ند مكاثر، و لكن خلائق مربوبون، و عباد آخرون، فسبحان الذي لا يئوده [٢] خلق ما ابتدأ، و لا تدبير ما برأ، خلق ما علم، و علم ما أراد، و لا يتفكر على حادث أصاب، و لا شبهة دخلت عليه فيما أراد، لكن قضاء متقن، و علم محكم، و أمر مبرم، توحّد بالربوبية، و خص نفسه بالوحدانية، فلبس العز و الكبرياء، و استخلص المجد و السناء، و استكمل الحمد و الثناء؛ فانفرد بالتوحيد، و توحد بالتمجيد؛ فجل سبحانه و تعالى عن الأبناء و تطهر و تقدس عن ملامسة النساء؛ فليس له فيما خلق ندّ، و لا فيما ملك ضدّ، هو اللّه الواحد الصمد، الوارث للأبد الذي لا يبيد و لا ينفد، ملك السموات العلى، و الأرضين السفلى، ثم دنا فعلا. و علا فدنا، له المثل الأعلى، و الأسماء الحسنى، و الحمد للّه رب العالمين؛ ثم إن اللّه تبارك و تعالى-سبحانه و بحمده-خلق الخلق بعلمه ثم اختار منهم صفوته، و اختار من كل خيار صفوته أمناء على وحيه، و خزنة له على أمره، إليهم ينتهي رسله، و عليهم ينزل وحيه، جعلهم أصفياء، مصطفين
[١] تكاءده الأمر: شق عليه.
[٢] آد الشيء حامله: أثقله و أجهده.