العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٧٤ - و مما ذكر لعبيد اللّه بن زياد عند معاوية
صفقت يداي في أبيك صفقة [١] ذي الخلة من ضوارع [٢] الفصلان، عامل اصطناعي له بالكفر لما أوليته، فما رميت به إلا انتصل [٣] ، و لا انتضيته إلا غلّق جفنه، و زلّت شفرته، و لا قلت إلا عاند، و لا قمت إلا قعد، حتى اخترمه الموت، و قد أوقع بختره [٤] ، و دل على حقده، و قد كنت رأيت في أبيك رأيا حضره الخطل، و التبس به الزلل، فأخذ مني بحظ الغفلة، و ما أبرئ نفسي، إنّ النفس لأمّارة بالسوء؛ فما برحت هناة أبيك تحطب في جبل القطيعة حتى انتكث المبرم. و انحل عقد الوداد. فيا لها توبة تؤتنف من حوبة [٥] أورثت ندما أسمع بها الهاتف و شاعت للشامت؛ فليهنأ الواصم [٦] ما به احتقر؛ و أراك تحمد من أبيك جدا و جسورا: هما أوفيا به على شرف التقحم. و غمط النعمة؛ فدعهما فقد أذكرتنا منه ما زهّدنا فيك من بعده، و بهما مشيت الضرّاء و دببت الخفاء؛ فاذهب إليك، فأنت نجل الدّغل [٧] ، و عترة النّغل؛ و الأخر شرّ.
فقال يزيد: يا أمير المؤمنين، إنّ للشاهد غير حكم الغائب، و قد حضرك زياد، و له مواطن معدودة بخير، لا يفسدها التظنّي و لا تغيّرها التهم، و أهلوه أهلوك التحقوا بك، و توسطوا شأنك، فسافرت به الرّكبان، و سمعت به أهل البلدان، حتى اعتقده الجاهل، و شك فيه العالم، فلا يتحجّر يا أمير المؤمنين ما قد اتسع، و كثرت فيه الشهادات، و أعانك عليه قوم آخرون.
فانحرف معاوية إلى من معه فقال: هذا، و قد نفس عليه [٨] ببيعته، و طعن في إمرته، يعلم ذلك كما أعلمه؛ يا للرجال من آل أبي سفيان!لقد حكموا و بذّهم يزيد وحده.
ثم نظر إلى عبيد اللّه فقال: يا ابن أخي، إني لأعرف بك من أبيك، و كأني بك
[١] صفقت: صادفت.
[٢] ضوارع الفصلان: صغار الفصلان الضعيفة الضاوية.
[٣] انتصل: خرج نصله.
[٤] الختر: العذر.
[٥] الحوبة: الإثم و الذنب.
[٦] الواصم: العياب المحقر.
[٧] الدغل و النغل: الفساد.
[٨] نفس عليه: حسده.