العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٣٠ - و خطبة أبي حمزة بالمدينة
عبيد الطمع، حلفاء الجزع؛ نعم ما ورّثكم آباؤكم لو حفظتموه، و بئس ما تورّثون أبناءكم إن تمسكوا به!نصر اللّه آباءكم على الحق، و خذلكم على الباطل؛ كان عدد آبائكم قليلا طيّبا و عددكم كثير خبيث؛ اتبعتم الهوى فأرداكم و اللهو فأسهاكم، و مواعظ القرآن تزجركم فلا تزدجرون، و تعبّركم فلا تعتبرون، سألناكم عن ولاتكم هؤلاء فقلتم: و اللّه ما فيهم الذي يعدل؛ أخذوا المال من غير حلّه، فوضعوه في غير حقه؛ و جاروا في الحكم، فحكموا بغير ما أنزل اللّه؛ و استأثروا بفيئنا؛ فجعلوه دولة بين الأغنياء منهم، و جعلوا مقاسمنا و حقوقنا في مهور النساء و فروج الإماء. و قلنا لكم:
تعالوا إلى هؤلاء الذين ظلمونا و ظلموكم، و جاروا في الحكم فحكموا بغير ما أنزل اللّه. فقلتم: لا نقوى على ذلك، و وددنا أنا أصبنا من يكفينا، فقلنا: نحن نكفيكم. ثم اللّه راع علينا و عليكم، إن ظفرنا لنعطينّ كلّ ذي حق حقه؛ فجئنا فاتقينا الرماح بصدورنا، و السيوف بوجوهنا، فعرضتم لنا دونهم، فقاتلتمونا، فأبعدكم اللّه؛ فو اللّه لو قلتم لا نعرف الذي تقول و لا نعلمه لكان أعذر؛ مع أنه لا عذر للجاهل، و لكن أبى اللّه إلا أن ينطق بالحق على ألسنتكم و يأخذكم به في الآخرة.
ثم قال: الناس منا و نحن منهم، إلا ثلاثة: حاكما جاء بغير ما أنزل اللّه، أو متبعا له، أو راضيا بعمله.
أسقطنا في هذه الخطبة ما كان من طعنه على الخلفاء، فإنه طعن فيها على عثمان و علي بن أبي طالب رضوان اللّه عليهما، و عمر بن عبد العزيز، و لم يترك من جميع الخلفاء إلا أبا بكر و عمر، و كفّر من بعدهما، فلعنة اللّه عليه؛ إلا أنه ذكر من الخلفاء رجلا أصغى إلى الملاهي و المعازف و أضاع أمر الرعية فقال: كان فلان ابن فلان من عدد الخلفاء عندكم، و هو مضيّع للدين و الدنيا، اشتري له بردان بألف دينار ائتزر بأحدهما و التحف بالآخر، و أقعد حبّابة عن يمينه، و سلامة عن يساره، فقال: يا حبابة غنيني، و يا سلامة استقيني؛ فإذا امتلأ سكرا و ازدهى طربا شق ثوبيه و قال: أ لا أطير؟ فطر إلى النار و بئس المصير!فهذه صفة خلفاء اللّه تعالى.